أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن مصر تقف حاليًا أمام مفترق طرق اقتصادي مهم، بعد سنوات من التعاون المكثف مع صندوق النقد الدولي، ما يفتح الباب أمام التخطيط الجاد للخروج التدريجي من عباءة الصندوق، وبناء نموذج اقتصادي وطني أكثر استقلالية واستدامة.
3 اتفاقيات مع صندوق النقد منذ 2016
وأوضح السيد، في تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أن الحكومة المصرية أبرمت ثلاث اتفاقيات رئيسية مع صندوق النقد الدولي خلال السنوات الأخيرة، الأولى في عام 2016 بقرض قيمته 12 مليار دولار، والثانية في 2019 بقيمة 5 مليارات دولار، والثالثة في ديسمبر 2022 بقرض بلغ 8 مليارات دولار، وذلك في إطار برنامج إصلاح اقتصادي شامل استهدف تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة منظومة الدعم، وتوسيع دور القطاع الخاص.
وأشار إلى أن مصر حصلت على أربع شرائح تمويلية بعد اجتياز أربع مراجعات رئيسية، بينما تم تأجيل المراجعة الخامسة ودمجها مع السادسة وفق اتفاق ديسمبر 2025.
“المناعة الهيكلية” وإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية
ولفت مدير مركز القاهرة للدراسات إلى تنفيذ ما وصفه بمرحلة “المناعة الهيكلية”، والتي تضمنت إعادة هيكلة 59 هيئة اقتصادية، من خلال تصفية وإلغاء 4 هيئات، ودمج 7، وتحويل 9 هيئات إلى هيئات عامة غير اقتصادية، في خطوة تهدف إلى رفع كفاءة الأداء، وتحسين استغلال أصول الدولة، وزيادة مساهمة هذه الهيئات في الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق استدامة مالية وتشغيلية أفضل.
تقليص الفجوة التمويلية وتحسن القدرة على السداد
وأكد السيد، أن صندوق النقد الدولي أقر بتراجع الفجوة التمويلية لمصر إلى نحو 5.8 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 11.4 مليار دولار في العام السابق، مشيرًا إلى أن الحكومة نجحت في تأمين التزامات تمويلية لسد هذه الفجوة حتى يناير 2026.
ومن أبرز هذه الالتزامات، حصول مصر على مليار يورو من الاتحاد الأوروبي ضمن حزمة تمويلية بقيمة 5 مليارات يورو، إلى جانب صفقات استثمارية كبرى، من بينها مشروع “مراسي البحر الأحمر” بقيمة تصل إلى 900 مليار جنيه على مراحل، والدُفعة الأولى البالغة 3.5 مليار دولار من صفقة “علم الروم” مع الصندوق السيادي القطري.
من القروض إلى الاستثمار المباشر
وأشار إلى أن هذه التطورات تعكس تحولًا استراتيجيًا في نمط التمويل، من الاعتماد على القروض إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما يعزز استدامة الاقتصاد ويخفف أعباء الدين الخارجي.
مبادلة الديون بالاستثمارات.. توجه جديد
وأوضح عبد المنعم السيد، أن الحكومة تسعى لعقد اتفاقيات لمبادلة الديون مع دول عربية تمتلك ودائع لدى البنك المركزي المصري، مثل السعودية والكويت وقطر، لتحويلها إلى استثمارات مباشرة في قطاعات حيوية كالنقل والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، بما يسهم في خلق فرص عمل وتعزيز الهيكل الإنتاجي للاقتصاد.
مؤشرات اقتصادية داعمة للخروج التدريجي
وأشار إلى تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية، أبرزها:
• تراجع معدل التضخم إلى نحو 12.3% خلال 2025.
• نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 4.5% مع توقعات بتجاوزه 5.5% بنهاية العام المالي 2026.
• ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي لأكثر من 50.2 مليار دولار.
وأكد أن هذه المؤشرات تدعم التوجه نحو أن يكون نوفمبر 2026 هو آخر تعامل رسمي مع صندوق النقد، بشرط الإفصاح بشفافية عن نتائج برنامج الإصلاح.
ضرورة خطة اقتصادية وطنية مستقلة
وشدد السيد، على أهمية صياغة خطة اقتصادية وطنية متكاملة تستند إلى قدرات مصر الذاتية، وتهدف إلى تحسين جودة الخدمات، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاستيراد، وخفض عجز الموازنة والدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
تحذير من التطبيق الأعمى لتوصيات الصندوق
وحذر من تطبيق توصيات صندوق النقد بشكل تلقائي، موضحًا أن بعض الإجراءات، مثل رفع أسعار الوقود، قد ترفع معدلات التضخم بنسبة تتراوح بين 2% و3%، كما أن التعجل في الطروحات الحكومية قد يؤدي إلى بيع أصول الدولة بأقل من قيمتها العادلة.
سيناريوهان لإدارة العلاقة مع الصندوق
وطرح مدير مركز القاهرة للدراسات سيناريوهين محتملين:
1. إنهاء الاتفاق الحالي في موعده دون تمديد.
2. تخفيض قيمة الاتفاق من 8 مليارات إلى 5 مليارات دولار لتقليل الأعباء.
وأشار إلى أن مصر تمتلك مصادر قوية تدعم هذا التوجه، منها إيرادات السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعافي إيرادات قناة السويس.
نموذج اقتصادي وطني مستقل
وأكد أن الاستقلال الاقتصادي الحقيقي يتطلب بناء نموذج قائم على تعزيز القدرة التنافسية، وزيادة القيمة المضافة للصناعة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير التعليم الفني، وتوطين الصناعات الاستراتيجية.
واختتم عبد المنعم السيد تصريحاته بالتأكيد على أن الخروج من عباءة صندوق النقد ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل خيار استراتيجي يستند إلى رؤية وطنية شاملة، توازن بين الإصلاح الاقتصادي وتحسين جودة حياة المواطن، وتفتح آفاقًا جديدة للاستقرار والنمو المستدام.
اقرأ أيضًا: وزيرة خارجية أستراليا تُطالب جميع الأستراليين في إيران بالمغادرة فورًا





















