قانون الأحوال الشخصية يُدار أحيانًا بشكل عبثي وكأنه صراع بين الرجل والمرأة
قانون الأحوال الشخصية يُدار أحيانًا بشكل عبثي وكأنه صراع بين الرجل والمرأة
أزمة الأسرة المصرية حقيقية وتظهر بوضوح داخل محاكم الأسرة
قانون الأسرة ليس قانونًا عاديًا لأنه يمس اللبنة الأولى للمجتمع
الحوار المجتمعي حول قانون الأحوال الشخصية لم يبدأ بالشكل الكامل حتى الآن
غير راضٍ عن أداء المؤسسات الدينية والإعلامية والحكومة في بعض الملفات
نحتاج إلى حوار وطني ثانٍ وثالث ورابع.. ولدينا 104 أحزاب لكن العدد وحده لا يعني شيئًا
هناك تقصير واضح من بعض المؤسسات الدينية ووزارة الأوقاف في بعض الملفات
أجرى الحوار- عصام الشريف
أعده للنشر- سيف رجب
في ظل تصاعد الجدل حول قانون الأحوال الشخصية، وتباين المواقف بين المطالبين بتعديلات تحقق مزيدًا من العدالة والاستقرار الأسري، وبين من يخشون المساس بثوابت الشريعة أو تفكيك بنية الأسرة المصرية، يفتح عبد الغني هندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، عددًا من الملفات الشائكة المرتبطة بالقانون ومستقبل الحياة السياسية والدينية في مصر.
وفي حواره مع “الحرية”، يتحدث هندي عن ما وصفه بـ”الإدارة العبثية” أحيانًا للنقاش حول قانون الأسرة، محذرًا من تحويله إلى صراع بين الرجل والمرأة، كما يكشف رؤيته لأداء المؤسسات الدينية والإعلامية والحكومة، ويؤكد وجود أزمة حقيقية داخل الأسرة المصرية تتطلب حوارًا وطنيًا واسعًا يتجاوز الحلول التقليدية.
وإلى نص الحوار:
في ظل حالة الجدل الواسعة حول قانون الأحوال الشخصية.. كيف تقرأ المشهد الحالي؟
قبل ما نبدأ الحديث عن قانون الأحوال الشخصية، لازم نجاوب على بعض الأسئلة اللي للأسف الشديد مسببة لغطًا كبيرًا جدًا فيما يتعلق بالقانون.
أولًا، لا بد أن نشير إلى أن التجربة المصرية في صياغة قانون الأحوال الشخصية تُعد تجربة رائدة في العالم العربي والإسلامي، والكثير من الدول تتعلم من النموذج المصري في تنظيم هذا الملف.
النقطة الثانية، هناك سؤال يتردد كثيرًا: هل الدولة المصرية منحازة لطرف على حساب طرف فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية؟ هل هي منحازة للرجال أو للنساء أو للأبناء؟ الحقيقة أنه لا يوجد دافع أصلًا يجعل الدولة منحازة، الدولة المصرية، ومعها الخبراء والمتخصصون في علم الاجتماع قبل القانون والسياسة، تدرك أن هناك إشكاليات حقيقية تتعلق بالأسرة المصرية، وهذا تؤكده الإحصائيات الموجودة في المحاكم ودوائر الأسرة.
وهناك أزمة حقيقية في التقاضي، وأزمة تتعلق بالتغيرات المجتمعية والإنسانية، والانفجار المعرفي، وتأثير السوشيال ميديا والإنترنت، إضافة إلى تراجع بعض القيم المجتمعية، وهذه أمور يجب أن نتحدث عنها بوضوح وصراحة.
هناك من يرى أن بعض بنود القانون لا تتوافق مع الشريعة الإسلامية.. كيف ترى ذلك؟
أنا دائمًا أقول إن أي مسودة قانون يجب أن تُناقش مادة مادة، مع المذكرة الإيضاحية الخاصة بها، وفلسفة القانون والظروف التي أُعد فيها، ولا يصح أن يُطرح قانون بهذه الحساسية دون وضوح كامل حول من أعدوه وما الأسس التي استندوا إليها.
فقانون الأسرة ليس قانونًا عاديًا، بل يتعلق باللبنة الأولى في بناء المجتمع، ولذلك أجد أن بعض الطروحات الحالية، سواء إعلامية أو حزبية أو عبر السوشيال ميديا، تُدار بشكل عبثي أحيانًا، وكأننا في صراع بين الرجل والمرأة، أو بين “النسوية” و”الذكورية”، بينما الأصل في العلاقة الأسرية هو المودة والرحمة والمسؤولية والتكافؤ والعدالة.
وأي قاعدة قانونية لا يجوز أن تخالف القواعد العامة الحاكمة للأسرة والمجتمع.
البعض يتساءل أيضًا: لماذا يبدو الأزهر صامتًا تجاه القانون؟
الأزهر له دوره وصوته بالتأكيد، لكن القانون لم يصل بعد إلى مرحلة النقاش المجتمعي الكامل، ووفقًا لما أُعلن، فالقانون أُحيل من مجلس الوزراء إلى البرلمان، ومن المفترض أن يُحال بعد ذلك إلى اللجان المختصة، سواء التشريعية أو الدينية أو التضامن وغيرها.
ومن هنا تبدأ مرحلة الحوار المجتمعي الحقيقي، الذي يجب أن يشارك فيه علماء الاجتماع، والمتخصصون، والخبراء، وليس فقط نفس الوجوه المعتادة في كل نقاش، مصر مليئة بالكفاءات في كل المجالات، فلماذا نكرر نفس الأسماء دائمًا؟
هناك من يرى أن الدولة لا تتحرك إلا بتدخل مباشر من الرئيس.. لماذا؟
هذا مرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها الدولة المصرية، ففي فترات التحول الكبرى دائمًا ما تكون هناك “قوى صلبة” تحافظ على استقرار المجتمع وتدير عملية التحول، وهذا ليس في مصر فقط بل في تجارب دولية عديدة.
هل تعتقد أن البرلمان الحالي قادر على إخراج قانون عادل للأحوال الشخصية؟
قانون الأحوال الشخصية لا تستطيع أي مؤسسة منفردة أن تصوغه وحدها، لا البرلمان وحده ولا الحكومة وحدها، وهذا القانون يجب أن تشارك فيه كل مؤسسات الدولة المعنية، وعلى رأسها الأسرة نفسها.
السؤال الحقيقي هو: ماذا نريد للأسرة المصرية؟ هل نريد مزيدًا من الاستقرار أم مزيدًا من الانقسام؟ هل نريد أبناء متعلمين ومجتمعًا متماسكًا؟ هذه هي الأسئلة الأساسية.
هناك حديث عن قانون موحد للأسرة المصرية.. هل يمكن أن يتوافق ذلك مع الشريعتين الإسلامية والمسيحية؟
هذا الأمر معمول به بالفعل في مصر منذ سنوات طويلة، وهناك مسائل لم يُنص عليها في الشريعة المسيحية، فكان يتم الرجوع فيها إلى التشريع الإسلامي، مثل بعض قضايا المواريث، وبالتالي سيظل التشريع الإسلامي حاضرًا في بعض الجوانب.
وفي الوقت نفسه، الفقه الإسلامي المعتدل قادر على استيعاب المتغيرات الحديثة، والتجربة المصرية نفسها قدمت اجتهادات مهمة، مثل الوصية الواجبة التي أقرها الشيخ مصطفى المراغي وجماعة كبار العلماء، وهي نموذج على قدرة الفقه على التطور والاجتهاد بما يحقق العدالة.
هل ترى أن المؤسسات الدينية والإعلامية تقوم بدورها بالشكل المطلوب؟
بصراحة، أنا غير راضٍ عن أداء المؤسسات الدينية، وغير راضٍ كذلك عن أداء المؤسسات الإعلامية، وحتى الحكومة نفسها تحتاج إلى مراجعة في بعض الملفات.
فالعقود الاجتماعية الكبرى، مثل قوانين الأسرة، لا تبنيها الحكومات وحدها، بل تبنيها النخب والمجتمع والمؤسسات معًا، ونحن للأسف ما زلنا نعتمد على اجتهادات فردية أكثر من العمل المؤسسي الحقيقي.
ما تقييمك لفكرة “الكوتا” الخاصة بالمرأة والشباب؟ وهل حققت هدفها؟
الدستور نفسه اعتبر الكوتا إجراءً استثنائيًا ومؤقتًا لتمكين المرأة، وليس وضعًا دائمًا، لكن السؤال الحقيقي: هل نجحت التجربة في تمكين المرأة سياسيًا؟
في رأيي، لا، لأن النجاح الحقيقي يكون بالمنافسة الطبيعية، بينما الكوتا تضمن مقاعد محجوزة مسبقًا، وبالتالي لا تعكس بالضرورة تمكينًا سياسيًا حقيقيًا.
هل نحن بحاجة إلى “ثورة تشريعية” وربما تعديل الدستور؟
الدستور عمل بشري، وبالتالي يقبل التعديل، سواء كان دستورًا مرنًا أو صلبًا وفق الإجراءات المحددة، لكن الإصلاح السياسي الحقيقي لا يأتي من أعلى فقط، بل يبدأ من القاعدة، من المحليات، ومن بناء كوادر سياسية حقيقية، ومن وجود حياة حزبية قوية ومجالس محلية منتخبة بشكل فعّال.
هل ما زلنا بحاجة إلى حوار وطني؟
بالتأكيد، بل نحتاج إلى حوار وطني ثانٍ وثالث ورابع، فالمشكلة ليست في غياب الحوار فقط، بل في أننا لا نؤمن بالحوار الحقيقي، كل طرف يأتي ليطرح أجندته باعتبارها الحل الوحيد، بينما المجتمعات الحديثة تُبنى على المعرفة والبيانات والدراسات، وليس على الكلام فقط.
كيف ترى أداء الأحزاب السياسية حاليًا؟
لدينا 104 أحزاب، لكن العدد وحده لا يعني شيئًا، الأحزاب بحاجة إلى إعادة بناء من الداخل، وإلى الاندماج وفق رؤى وأيديولوجيات واضحة، حتى يكون لدينا عدد محدود من الأحزاب القوية القادرة على تقديم حلول حقيقية للمجتمع.
ما الرسالة التي توجهها للرئيس عبد الفتاح السيسي؟
المواطن المصري البسيط هو من تحمل الأعباء ووقف مع الدولة في أصعب الظروف، ولذلك يجب أن يشعر بثمار ما تحقق، خاصة مع الطفرة الكبيرة في البنية الأساسية، كما نحتاج إلى مزيد من الشفافية وإتاحة المعلومات.
وما رسالتك للأحزاب؟
لا يمكن تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي دون أحزاب قوية، المطلوب هو البناء من الداخل، والاندماج، وخلق منافسة حقيقية بين رؤى سياسية مختلفة بدلًا من التشابه الحالي.
ورسالتك للحكومة؟
الوزراء يجب أن يخرجوا من مكاتبهم، وأن يكونوا أكثر حضورًا وقدرة على التواصل مع الناس والرأي العام بشكل واضح وفعّال.
ما هي رسالتك لوزير الأوقاف؟
أوجه رسالة لوزير الأوقاف، أنا شخصيًا كان ولا يزال صديقًا، وما زلت أعول عليه الكثير، لكن أداءه الحكومي والإداري بحاجة إلى إعادة نظر، وللأسف الشديد، فيما يتعلق بالأداء الإداري والوظيفي، هناك العديد من القضايا التي خذلني فيها.
هل أنت راضٍ عن أداء الأزهر؟
لا، غير راضٍ، وغير راضٍ كذلك عن أداء المؤسسات الدينية بشكل عام، فالشعب المصري يحب الأزهر ويثق فيه، لذلك لا بد أن يبدأ بشكل واضح في إعادة بناء المؤسسة الأزهرية من الداخل، وأن تكون هناك شفافية في مسألة الاختيارات داخل المؤسسة الأزهرية.
كما لا بد أن تتم حركة البناء المعرفي والتجديد بشكل أسرع، وأن يمتلك الأزهر منصات رقمية عالمية قوية، فمن غير المعقول أن مؤسسة بحجم الأزهر، التي يتجاوز عمرها الألف عام، لا تمتلك حتى الآن منصة عالمية مؤثرة تخاطب العالم بلغات مختلفة.
وللأسف، عدد المنصات الإفتائية الكبرى المؤثرة عالميًا لا توجد بينها منصة مصرية بالشكل الكافي، رغم مكانة الأزهر التاريخية والعلمية، وهو ما يستوجب تحركًا حقيقيًا لمواكبة التطورات الحديثة في الإعلام الرقمي والخطاب الديني.
ومشروعًا مثل “دولة التلاوة” ما كان لينجح لولا وجود دعم واضح من الدولة، ورغم نجاحه لم يتم استثماره بالشكل الكافي كمنصة رقمية مستمرة وقادرة على التطور والتأثير.
وهل ترى وجود تقصير من المؤسسات الدينية؟
نعم، هناك تقصير واضح، سواء من بعض المؤسسات الدينية أو من وزارة الأوقاف في بعض الملفات، وهذا أمر يجب الاعتراف به والعمل على معالجته.




















