التاريخ مليء بالحكايات والعِبر والمواقف التي يجب أن نتدارسها، لنستخلص منها الدروس، فهو تحليل للماضي لفهم المستقبل، واستشراف للحاضر، ومرآة للأمم لتقديم نماذج نتخذها قدوة، ونماذج أخرى نتخذ منها العِبرة بعدم الاقتداء بها.
دعونا اليوم نجوب سويًا ونقلب في صفحات التاريخ معًا.
الحكاية الأولى:
في روسيا القيصرية، وفي أواخر القرن التاسع عشر، كانت مدينة سان بطرسبرج يحكمها الجنرال تربوبوف، وكان شديد القسوة والظلم في قمع المعارضين والمتظاهرين والمعتقلين، حيث كان يأمر بجلدهم وتلقينهم كل أنواع العذاب والقهر.
وفي إحدى المرات، بينما كان يجلس في مكتبه لاستقبال التماسات الأهالي لذويهم كعادته، تقدمت منه فتاة نحيلة ادعت أن خطيبها مسجون، وبدلًا من أن تُخرج التماسها، أخرجت مسدسها ووجهت رصاصاتها إلى صدره.
فتم القبض عليها وتقديمها لمحاكمة عاجلة.
اقرأ أيضًا: عبد الغني الحايس يُحذر من صراعات نفوذ إقليمية.. ويؤكد: تصاعد الضغوط على مصر
وقفت أمام المحلفين معترفة بما فعلت، قائلة إنها أطلقت النار عليه، ولو استطاعت لفعلت ذلك آلاف المرات، وأنه ليس لها خطيب مسجون ولا قريب معتقل، وإنما فعلت ذلك حفاظًا على كرامة الإنسان التي أهدرها بجرائمه البشعة، وكان يجب أن يجد من يقول له “كفى”.
وأكدت أنها غير خائفة من الموت، وأنها سوف تموت في سبيل الحفاظ على مبادئها.
فتعاطفت الصحافة معها، كما انجذب الرأي العام لقصتها وكلماتها، واحتشد الكثيرون للتضامن معها، وأرسلوا لها خطابات مضمونها: “نشكرك لأنك ضحيتِ من أجل كرامتنا”.
وأصبح المحلفون في ورطة كبيرة؛ فأمامهم مذنبة اعترفت بجريمتها، لكن حكمهم سيكون قاسيًا لو تمت إدانتها أمام نُبل مقصدها، إذ إن الإنسان وُلد ليعيش بكرامة، وهي فعلت ما فعلته حفاظًا على كرامة كل روسي في هذا الوطن.
وأثناء تداولهم للحكم، وبوجوه شاحبة حائرة، أعطوا القاضي الحكم ليعلنه في المحكمة، فجاء القرار بأن “فيرا” غير مذنبة.
فابتهج الحضور، وأصبحت فيرا رمزًا للنضال والحرية، وقصة تُحكى إلى اليوم.
الحكاية الثانية:
في بريطانيا، الدولة التي لم تغب عنها الشمس في وقت ما، وبطلها جون ميجور رئيس وزرائها في التسعينيات (1990–1997)، وأثناء جولاته الميدانية، اقتربت منه سيدة كانت قد أعدت موقفها مسبقًا، وألقت البيض على وجهه وملابسه أمام عدسات المصورين وبحضور الصحفيين، اعتراضًا منها على سياساته الفاشلة.
وسرعان ما تم القبض عليها، ثم أُطلق سراحها بسرعة، مع إعلان أن ما قامت به يندرج ضمن حرية الرأي والتعبير.
تخيلت للحظات أن هذا الحدث لو وقع في إحدى دولنا العربية، كيف سيكون رد الفعل، في وقت يتم فيه القبض على من يغرد على مواقع التواصل الاجتماعي ويعبر عن رأيه.
اقرأ أيضًا: عبد الغني الحايس يكتب لـ”الحرية”: العدل هو الأمل
لي أحد الأصدقاء في إحدى الدول العربية الشقيقة مقبوض عليه منذ شهرين بسبب تغريدة كتبها في عام 2013، لم يقتل فيها أحدًا، ولم يُضر أحدًا، ولم تكن سببًا في سقوط نظامهم الملكي، ولم تكن قنبلة أودت بحياة الأبرياء.
حتى هو شخصيًا لم يكن يعلم بها، أو أنها جمعت عشرات علامات الاستحسان، بل لم يقرأ تلك التغريدة سواه، وهم بعد اثني عشر عامًا يحاكمونه، وكانت تقول: “الحرية لفلسطين، وليخزِ الله كل المتخاذلين من الحكام العرب”.
الحكاية الثالثة:
وزير العمل المصري أصدر منذ أيام قليلة منشورًا بالإجازات للأخوة المسيحيين.
صحيح أنه لم يأتِ بجديد، فقد تسابق المدونون وأظهروا نفس الورقة المنشورة منذ أيام الرئيس عبد الناصر، وأنه لم يضف شيئًا، لكننا قد نسينا كل الأوامر الحكومية.
ومن غير اللائق أن يتم تقسيم مسيحيي مصر إلى طوائف، فنحن نعيش كنسيج واحد، ولم يسأل أحد منا أصدقاءه المسيحيين عن أي طائفة يتبعونها، ولم ولن يحدث ذلك أبدًا.
إنما نقدم التهنئة ونشاركهم في أعيادهم لأنهم منا ونحن منهم، شركاء حقيقيون في الوطن، ومن العبث أن يتم تقسيمنا إلى طوائف وأقليات، ونهدر قيم المواطنة الحقيقية.
أتذكر في عيد القيامة المجيد، وأثناء تقديم التهنئة لقداسة البابا تواضروس الثاني، ألقى علينا كلمة روحية جميلة تجسد معنى الحب والمواطنة الصادقة، وقد كتبت عنها مقالًا كاملًا وقتها.
إننا في مصر نحتفل بأربعة أعياد دينية كبرى: (عيد الفطر، عيد الأضحى المبارك، عيد الميلاد المجيد، عيد القيامة المجيد). وأتمنى شخصيًا أن يكون يوم الاحتفال بعيد القيامة المجيد إجازة رسمية لجميع المصريين.
كلمات خالدة:
عندما وقف القمص سرجيوس على منبر الجامع الأزهر أثناء ثورة 1919 قال: “إن كانت حجة بريطانيا لاحتلال مصر حماية الأقباط، فليمت الأقباط وليحيا المسلمون أحرارًا”.
ودعونا نتذكر قول البابا شنودة، الرجل الذي أحبه المصريون مسيحيين ومسلمين: “مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا”.
وتتوالى الحكايات.





















