عندما يشتد التفكير، ويخاصم النوم الجفون، وتجلس بلا حراك، وعيناك شاخصتان في شريط طويل من الأحداث الغريبة على مجتمعنا، وتتسابق الأحداث وتتداخل في محاولة استخلاص الحقيقة وإيجاد أجوبة لما يحدث، ومعرفة الصواب من الخطأ؛ فأنت تدرك قول الشاعر:
«أدِّبِ النفسَ واستكملْ فضائلَها فإنما النفسُ لا بالجسمِ إنسانُ».
الله خلق الخير والشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار، وسنُحاسَب عن كل أفعالنا، وستشهد علينا جوارحنا بما فعلنا، فهل نحن مستعدون ليوم الحساب؟
وقال الله تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾،
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾،
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾،
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
وقد خلق الله الإنسان ليعمر الأرض ويعبده سبحانه وتعالى، لكن الإنسان طغى وتجبر، ولم يتعظ ولم يتعلم مما حدث للأمم السابقة، وواصل شروره وارتكب الموبقات.
بالأمس القريب، فتاة انتحرت في بث مباشر في لحظة يأس وإحباط من ظلم بني البشر، ولن تكون الأخيرة، وستستمر الحياة، ولن يتوقف الحدث ليعرف لماذا أقدمت على قتل نفسها ويُساعد غيرها على عدم سلوك هذا الطريق.
نحن نظلم أنفسنا بكل أفعالنا الخبيثة، بعد أن ابتعدنا عن الإيمان والتدين والسلوك القويم.
أتعجب من عمٍّ في منزلة الأب يعتدي على ابنة أخيه الصغيرة ويغتصبها، وجَدٍّ يوبّخ الأم التي تركت أبناءها في مأمن في بيتها ليقعوا فريسة لمن وجب عليه حمايتهم، عمهم.
ومن ابنٍ عاق يتعاطى المخدرات التي غيّبت عقله، ويُقدم على قتل أمه بكل خسة ودناءة، ونسِي أن الله قال في محكم كتابه:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
وابنة لم ترحم أمها التي علمت أنها ترتكب جريمة الزنا، فتقدمت إلى قتلها هي وعشيقها حتى لا يُفضح أمرهما، فيشاء الله أن تُعرف جريمتهما ويعلم بها أهل الأرض والسماء.
ويقتل الشاب الجامعي المتعلم سائق التاكسي بسبب أولوية المرور في الطريق، وكأن تلك الثواني ستوصله إلى المريخ.
وزوجة تتفق مع عشيقها على التخلص من زوجها لتتفرغ للحرام وارتكاب كبيرة من الكبائر، وأم تتخلص من أبنائها الخمسة لأنها مريضة ولا تريد أن تتركهم يعانون بعد وفاتها.
وأب يذبح أبناءه الشباب وزوجته لأنه خسر كل رأس ماله، ويفشل في قتل نفسه، وأب يغتصب ابنته الجامعية بعد تخديرها، وآخر يعاشر ابنته المطلقة تحت عين الأم، وشيخ مسجد يغتصب طفلًا داخل بيت من بيوت الله.
ناهيك عن حوادث العنف الأسري، ومستقبل أبناء يضيع بين صراعات الأب والأم، وما ينتج عن تلك الخلافات من مشاكل لا حصر لها.
تلك الحوادث غريبة على المجتمع، ويجب الوقوف طويلًا أمامها لبحث أسبابها وطرق علاجها، وعلينا أن نسأل أنفسنا: لماذا ارتُكبت كل تلك الموبقات؟
الأزمة ليست بالضرورة بسبب الفقر أو تدهور الوضع الاقتصادي أو مستوى التعليم، إنما هي أزمة صعبة فك طلاسمها لتعدد تداعياتها.
نعيش في مجتمع اعتبر الرشوة هدية، والاتاوة تفرض لتسهيل مصالح العباد، والمحسوبية تدمي جبين الشرفاء من لا ظهر لهم، ومستبدين يسرقون قوت الشعب الساكن في جنبات الخوف والمرض واليأس، وبُعد عن الله وتعاليمه السمحة، وغياب الوعي والناصح الأمين، وتراجع دور الأسرة، المجتمع الصغير الذي إن صلح صلح المجتمع الكبير.
علينا أن نعود إلى أخلاقياتنا وإيماننا وقيمنا والحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا، وأن يتم دراسة تلك الظواهر الغريبة ومحاربتها، وعلى علماء الاجتماع وكل مسؤول، بل كل فرد في هذا الوطن، أن يراعي الله وضميره، وأن يعمل بجد وإخلاص لوجه الله ورفعة وطنه وحماية مجتمعه.
ومعالجة عوامل الخلل، سواء كانت نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، بمحاربة المخدرات والممنوعات بكافة صورها، وحماية شبابنا من أن يكونوا فريسة لها بالتوعية بأضرارها.
وكذلك مواجهة كل أشكال العنف والحد من انتشار تلك الظاهرة في المنزل وكل الوسائل المعلنة، والحد من الفقر والبطالة، وخلق مناخ صحي للإنتاج وتحقيق رفاهية المواطن، والتمسك بالقيم المجتمعية الراسخة، وقيام كل مؤسسة بدورها في الرعاية والتوجيه والتوعية، بداية من الأسرة والمسجد والكنيسة والمدرسة والجامعة وكل وسائل التوعية المتاحة، لخلق مجتمع صحي سليم، بمعالجة كل مواضع الخلل الاجتماعي والثقافي والتعليمي والاقتصادي والأُسري والحقوقي وغيرها من الأمور التي تجعل من الشخصية سوية مثالية لا تعيش تحت أي ضغوط مجتمعية تفقدها اتزانها النفسي.
نهضة الوطن تتحقق بالعيش الكريم، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومنع التمييز، والمواطنة الكاملة، وضمان تكافؤ الفرص، وحرية الرأي والتعبير، وتعزيز الديمقراطية، واستغلال ثروتنا البشرية لتنمية كل مقدراتنا واستغلال كل مقوماتنا لتحقيق الريادة والنهضة.






















