قال المحامي وعضو لجنة العفو الرئاسي طارق العوضي، إن هناك جماعة «تخشى السؤال»، معتبرًا أن ما وصفه بمحاولات إسكات الأصوات المخالفة يكشف عن «مرحلة الموت السياسي والشعبي».
وأضاف العوضي، في منشور له عبر حسابه على فيسبوك، أنه حين تتكشف التناقضات وتتزايد الأسئلة حول التحالفات في الخارج، ويخرج من بين صفوف الجماعة من يتحدث عن مساعدات إسرائيلية، أو عن إسقاط الدولة وما يسمونه «اليوم التالي»، كان من المنطقي انتظار إجابات واضحة.
وتابع: «فلم يأتِ الجواب»، معتبرًا أن الأمر لم يكن اختيارًا للصمت، وإنما نتيجة لعدم امتلاك ما يمكن قوله، على حد تعبيره.
وأوضح أن الجماعة، وفقًا لرؤيته، لجأت إلى ما وصفه بـ«السلاح الأخير» الذي تستعين به الجماعات عندما تعجز عن الدفاع عن أفكارها، وهو «اغتيال كل من يجرؤ على مخالفتها»، مؤكدًا أن ذلك، بحسب قوله، ليس مظهر قوة، وإنما أحد شواهد «الموت السياسي والشعبي».
وأشار العوضي إلى أن الجماعة «لا تواجه السلطة وحدها»، وإنما تواجه مجتمعًا تغير، وذاكرة جمعية تراكمت فيها الأسئلة التي لم تعد الشعارات القديمة قادرة على إخفائها.
وأضاف أن أدوات الجماعة تغيرت، قائلًا: «لم يعد المطلوب إقناع الناس، بل ترويعهم، ولم يعد الهدف الرد على السؤال، بل معاقبة من طرحه، ولم تعد الغاية دحض المعلومة، بل تدمير سمعة من كشفها».
وتابع أن كتابة أي كلمة مخالفة أو طرح سؤال غير مرغوب فيه، يتبعه – بحسب وصفه – ظهور عشرات أو مئات الحسابات في توقيت واحد، وبعبارات متشابهة، تتضمن السباب والتخوين والتشهير والاتهامات، ثم إعادة الكذبة نفسها مرات عديدة، «وكأن التكرار وحده كفيل بمنحها لبوس الحقيقة».
وأكد العوضي أن الأمر، من وجهة نظره، «أعمق من مجرد لجان إلكترونية»، معتبرًا أنه محاولة متعمدة لتشييد «سور من الخوف» حول الجماعة.
وأوضح أن الرسالة، بحسب قوله، لا تستهدف الشخص الذي يتعرض للهجوم فقط، وإنما كل من يراقب المشهد، مضيفًا: «لا تقترب، لا تسأل، لا تكشف، لا تنتقد، وإلا كان مصيرك كمصيره»، واصفًا ذلك بأنه «إرهاب معنوي» يستهدف رفع كلفة الكلام حتى يختار الناس الصمت.
وأشار إلى ما وصفه بـ«المفارقة الصارخة»، قائلًا إن هذه الممارسات تصدر عن أشخاص «لا يفتأون يتشدقون بالحرية وحق التعبير»، بينما يريدون لأنفسهم حرية مطلقة في اتهام الدولة والطعن في مؤسساتها وتجريح خصومهم، لكنهم، بحسب قوله، «لا يطيقون جملة واحدة تُكتب ضدهم».
وأضاف: «يتغنون بالديمقراطية وهم يفزعون من الاختلاف. يرفعون شعار حرية التعبير وهم يسعون لسحق كل من يمارسها في مواجهتهم»، معتبرًا أنهم يرفضون «القمع» عندما يقع عليهم، ثم يمارسون، وفق وصفه، نسخته الخاصة عندما يمتلكون أدواته.
وطرح العوضي تساؤلًا حول ما قد تفعله الجماعة بالمختلفين، قائلًا: «إذا كانوا اليوم، وهم خارج السلطة (وسَيظلون)، لا يحتملون رأيًا مخالفًا، فماذا كانوا سيفعلون بالمختلفين لو امتلكوا مقاليدها؟».
وأكد أن «كل هذا الصراخ» لن يعيد للتنظيم حياة، ولن يمنحه حاضنة شعبية، ولن يمحو من ذاكرة الناس ما استقر فيها، معتبرًا أن كلما احتاجت جماعة إلى مئات الأصوات لإسكات صوت واحد، فإنها تكشف، بحسب تعبيره، عن حجم خوفها منه.
وأضاف: «كلما استبدلت الحجة بالشتيمة أعلنت إفلاسها، وكلما لجأت إلى التشهير بدل الرد أكدت أن السؤال الهارب منه ربما يفوق قيمة كل ما يرددونه من إجابات».
وقال العوضي: «لهذا أقول: إنهم يعيشون مرحلة الموت السياسي والشعبي»، موضحًا أن الموت السياسي لا يعني اختفاء التنظيم بين ليلة وضحاها، إذ قد تبقى الأموال والمنصات والمكاتب والواجهات والمؤتمرات وآلاف الحسابات القادرة على صناعة ضجيج واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكنه شدد على وجود فارق، من وجهة نظره، بين «البقاء التنظيمي» و«الحياة السياسية»، موضحًا أن التنظيم قد يبقى لسنوات طويلة، لكنه يفقد القدرة على إنتاج فكرة جديدة، أو مخاطبة مجتمعه، أو مراجعة أخطائه، ليتحول تدريجيًا، بحسب قوله، من مشروع يسعى لكسب الناس إلى جماعة غاضبة منهم لأنهم لم يختاروها.
وأضاف أن «مرحلة الموت الحقيقي» تبدأ عندما يعلو الصوت على الفكرة، ويتفوق السباب على السياسة، ويصبح التشهير أسهل من الإجابة، ويتحول كل مخالف إلى خائن وكل ناقد إلى عميل وكل سؤال إلى مؤامرة.
وتابع: «عندئذ لا تكون أمام تنظيم يقاتل من أجل مستقبل، بل أمام تنظيم يقاتل مع ماضيه كي لا يعترف بأنه صار جزءًا منه».
وأكد أنه لن تَفلح، بحسب تعبيره، حملات السباب في إسكات الأصوات المخالفة، قائلًا: «لن نرد الشتيمة بمثلها ولن ندخل سباقًا في السفالة مع أحد، لكننا أيضًا لن نصمت: سنواصل السؤال وسنواصل النقد وسنواصل كشف التناقضات».
واختتم: «فمن يملك ردًا فليقدمه، ومن يملك دليلًا فليضعه أمام الناس»، معتبرًا أن «مئات الحسابات التي تنقض دفعة واحدة لتسب إنسانًا لأنه أدلى برأي» ليست دليل قوة لأصحابها، وإنما «صرخة كيان يشعر بأن الأرض تنسحب من تحت قدميه»، مضيفًا أن «الصراخ مهما علا لا يبعث ميتًا إلى الحياة»، على حد قوله.



















