طرح الدكتور زكريا الحداد، الأستاذ المتفرغ بقسم هندسة النظم الزراعية والحيوية بكلية الزراعة جامعة بنها، مقترحًا متكاملًا لتحديث القطاع الزراعي في مصر على مدار 6 سنوات، بهدف رفع معدلات الاكتفاء الذاتي من الغذاء والكساء، وزيادة الصادرات الزراعية والصناعية، وتقليل فاتورة استيراد السلع الاستراتيجية.
وأكد الحداد، في مقترحه الموجه إلى رئيس الجمهورية والذي نشره عبر صفحته الرسمية على الفيسبوك، أن تحديث الزراعة لم يعد خيارًا، وإنما “ضرورة حتمية”، في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، معتبرًا أن توفير الغذاء والكساء للمصريين من الأرض المصرية وسواعد أبنائها يمثل أولوية وطنية.
وأوضح أن الخطة تستهدف الوصول إلى ما لا يقل عن 80% من الاكتفاء الذاتي من الغذاء والكساء، بالتوازي مع إنشاء صناعة متكاملة للجرارات والآلات الزراعية، وتعميق تصنيع المنتجات الزراعية بما يسمح بزيادة الصادرات.
وأشار إلى أن تطوير القطاع الزراعي يمكن أن ينعكس أيضًا على الملف الصحي من خلال التوسع في إنتاج غذاء خالٍ من متبقيات المبيدات، بما يسهم، وفق رؤيته، في الحد من بعض الأمراض وتقليل الأعباء الواقعة على القطاع الصحي.
خطة لتوفير مليون فدان للقمح
وتتضمن الخطة المقترحة إعادة توزيع المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية، حيث يقترح الحداد خفض المساحة المزروعة بالبرسيم من نحو مليوني فدان إلى مليون فدان، مع العمل على رفع إنتاجية المساحة المتبقية إلى أكثر من 125% من الإنتاج الحالي.
وبحسب المقترح، يتم توجيه المليون فدان التي سيتم توفيرها إلى زراعة القمح، لترتفع المساحة الإجمالية المزروعة بالقمح من نحو 3 ملايين إلى 4 ملايين فدان.
ويستهدف المقترح رفع متوسط إنتاجية الفدان من القمح من 18 أردبًا حاليًا إلى 26 أردبًا، من خلال تطبيق الزراعة الآلية وتطوير أساليب الزراعة، مع زيادة عدد السنابل من نحو 350 إلى 600 سنبلة للمتر المربع، وفقًا للبيانات الواردة في المقترح.
زراعة الذرة وفول الصويا بالتكامل
كما تتضمن الخطة زراعة نحو 2.5 مليون فدان من الذرة، منها مليون فدان لإنتاج السيلاج و1.5 مليون فدان لإنتاج الحبوب، مع تطبيق نظم الزراعة الآلية التي تستهدف زيادة كثافة النباتات من 18 ألفًا إلى 28 ألف نبات للفدان.
ويقترح الحداد زراعة فول الصويا بين خطوط الذرة، من خلال زراعة 3 خطوط صويا بين كل خطين من الذرة، بهدف تحقيق استفادة أكبر من وحدة الأرض الزراعية.
ووفقًا للمقترح، يمكن أن يؤدي تطبيق هذا النظام إلى رفع إنتاج السيلاج من 20 إلى 40 طنًا للفدان، وزيادة إنتاج الذرة الحبوب من 18 إلى 48 أردبًا للفدان، إلى جانب استهداف إنتاج نحو مليون طن من فول الصويا.
رفع إنتاجية الأرز وتوفير التقاوي
وفي ملف الأرز، تقترح الخطة تطبيق ما وصفته بـ”النظام الياباني” باستخدام الشتل الآلي، على مساحة تبلغ نحو 750 ألف فدان.
ويستهدف المقترح رفع متوسط إنتاجية الفدان من 4 أطنان إلى 5 أطنان، إلى جانب توفير نحو 50 كيلوجرامًا من التقاوي لكل فدان.
وأشار الحداد إلى أن هذا النظام سبق أن انتشر في مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي على آلاف الأفدنة، قبل أن يتراجع تطبيقه، معتبرًا أن إحياء التجربة وتطويرها يمكن أن يساهم في رفع كفاءة إنتاج الأرز.
زراعة 300 ألف فدان من القطن قصير التيلة
واقترح الحداد تخصيص نحو 300 ألف فدان جنوب بني سويف لزراعة القطن قصير التيلة، بهدف توفير احتياجات مصانع الغزل والنسيج، مع اختيار أصناف يمكن أن تنضج خلال 6 أشهر وتُجمع آليًا.
وتستهدف الخطة إنتاجية تتراوح بين 18 و25 قنطارًا للفدان، مع الاستفادة من مكونات المحصول في صناعات أخرى، حيث يشير المقترح إلى إمكانية إنتاج نحو 200 ألف طن من زيت بذرة القطن، ونحو مليون طن من الكسبة العلفية، إلى جانب توفير كميات من القطن الزهر اللازمة لتشغيل مصانع النسيج.
كما تربط الخطة بين التوسع في إنتاج المحاصيل العلفية وزيادة الإنتاج الحيواني، مستهدفة رفع إنتاج اللحوم الحمراء والألبان بنسبة لا تقل عن 50%، اعتمادًا على زيادة توافر السيلاج وفول الصويا وكسبة القطن.
الميكنة والزراعة الحيوية والذكاء الاصطناعي
ويعتمد مشروع التحديث المقترح على مجموعة من الأدوات، أبرزها ميكنة جميع العمليات الزراعية، والتوسع في الزراعة الحيوية الخالية من المبيدات، وتطبيق الدورة الزراعية والتجميع الزراعي، وإحياء النظام التعاوني، إلى جانب استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة القطاع الزراعي.
ويعتبر الحداد أن الميكنة تمثل أحد المحاور الرئيسية في الخطة، ليس فقط لرفع الإنتاجية، وإنما أيضًا لتقليل الفاقد وتحسين كفاءة العمليات الزراعية وتوفير العمالة المدربة على استخدام المعدات الحديثة.
“صندوق السيادة الزراعي المصري” لتمويل المشروع
واقترح أستاذ هندسة النظم الزراعية والحيوية إنشاء كيان تمويلي تحت اسم “صندوق السيادة الزراعي المصري”، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، لتوفير التمويل اللازم لتنفيذ خطة التحديث.
ووفقًا للمقترح، تتكون موارد الصندوق من مخصصات سنوية من الموازنة العامة بحد أدنى 2% من إجمالي النفقات، إلى جانب تخصيص 50% من وفر الواردات الناتج عن خفض استيراد القمح والذرة وفول الصويا خلال السنوات الخمس الأولى.
كما يقترح فرض رسم تنمية بنسبة 2% على الأسمدة والمبيدات المستوردة لمدة 5 سنوات، فضلًا عن الاستفادة من المنح والقروض الدولية وأرباح استثمارات الصندوق.
وتتجه أوجه إنفاق الصندوق، بحسب المقترح، إلى دعم المزارعين الراغبين في التحول إلى الزراعة الآلية من خلال قروض ميسرة بفائدة لا تتجاوز 3%، وتمويل شراء الجرارات والمعدات المصنعة محليًا، وتمويل البحوث التطبيقية في مجالات الميكنة والري.
كما يتضمن المقترح استخدام جزء من موارد الصندوق لإنشاء مراكز تدريب ميدانية مرتبطة بأقسام هندسة النظم الزراعية في كليات الزراعة بالمحافظات، وتزويدها بالجرارات والآلات اللازمة لتدريب خريجي كليات الزراعة والسائقين والعاملين في المجال الزراعي.
ويقترح الحداد كذلك استخدام الصندوق في شراء المحاصيل الاستراتيجية من المزارعين بأسعار تشجيعية خلال السنوات الانتقالية من تطبيق المشروع.
50 قافلة إرشادية للتدريب في القرى
وفي محور نقل المعرفة إلى المزارعين، يقترح المشروع إنشاء برنامج دائم تحت اسم “القوافل الإرشادية المتنقلة للنهضة الزراعية”.
ويستهدف البرنامج تجهيز 50 قافلة متنقلة تضم معامل لتحليل التربة والمياه، ووحدات لمحاكاة الزراعة الآلية، وشاشات عرض تعليمية، إلى جانب تشكيل فرق تدريب من شباب خريجي كليات الزراعة بعد تأهيلهم للعمل في مجال الإرشاد والتدريب.
ووفقًا للمقترح، يتم تخصيص أسبوعين من كل موسم زراعي لكل قرية، مع استهداف نحو ألف قرية سنويًا، وتدريب 10 مزارعين رائدين في كل قرية ليكونوا “سفراء زراعيين”، مع منحهم شهادات معتمدة وربطهم بمنظومة الدعم.
كما يتضمن البرنامج إعداد مواد تعليمية مبسطة ومصورة ومسموعة للمزارعين غير القادرين على القراءة، تحت عنوان “الزراعة في 5 خطوات”، وتوزيعها مجانًا، مع تخصيص ميزانية مستقلة للبرنامج لا تقل عن 100 مليون جنيه سنويًا.
الحداد: المشروع يستهدف توفير مليارات الدولارات
وأكد الحداد في ختام مقترحه أن المشروع لا يقتصر على تطوير أساليب الزراعة، وإنما يستهدف، بحسب رؤيته، تحقيق تحول شامل في الاقتصاد الزراعي من خلال تقليل الاعتماد على الاستيراد، وزيادة الإنتاج والتصدير، ودعم التصنيع الزراعي، وتوفير فرص عمل.
وقال إن المشروع يمثل “نهضة وطنية” تستهدف تحقيق الأمن الغذائي لمصر وتوفير مليارات الدولارات، إلى جانب خلق فرص عمل وحماية صحة المصريين.
وأشار الحداد إلى أنه سبق أن تقدم بالمقترح ثلاث مرات إلى رئيس مجلس الوزراء، وأن المقترح نُشر في جريدة الشروق خلال فبراير 2021، مؤكدًا استعداده لتقديم الوثائق والتقارير الميدانية التي يستند إليها المقترح، في حال طلبها.





















