في كل نجع من نجوع مصر المحروسة كان هناك فريق كرة حتى في أقصى الشمال الشرقي في موطني كان في سيناء فريق الظافر نسبة إلى الصواريخ التي احتفى بها الشعب وهما القاهر والظافر واللذان، كان من المفترض أنهما يحملان رؤس تدميرية سوف تمسح إسرائيل من الوجود وللأسف كان وهما صدقناه وافقنا على الهزيمة في يونيو الحزين عام 1967.
وكانت الفرق تتبارى فيما بينها بدئا من فرق الأحياء إلى القرى ثم المراكز ولأن المستوى الاقتصادي كان يكاد يكون متقاربا في كل أقاليم مصر المحروسة فلا يوجد نادي الشمس، ولا نادي الغابة فقد كانت الكرة الشراب هي الوسيلة المتاحة ومن المؤكد أن الأجيال الحديثة لا تعرف تلك الكرة التي كنا نتفنن في صنعها أحيانًا بحشو من القماش ويتم لف بكرة من خيط صنع المحلة الكبرى “شلة خيط”، وأحيانًا يتم حشوها بخليط من القماش والفلين لتكون أخف ثم توضع في اكثر من فردة شراب بالية تم الإستغناء عنها فيكون مُحيط الكرة أقل بكثير من الكرة التي تستخدمها الفرق الكبرى والمحترفة.
فقد كان حلم امتلاك كرة “كڤر” كما كان يطلق عليها بفتح الكاف حلما بعيد المنال، ونظرًا لتكيف اللاعبين على الكرة الشراب الصغيرة والتحكم فيها تحولوا إلى محترفين، فعندما يُتاح لهم اللعب على ملاعب ممهدة وبكرة أكبر والحذاء الخاص يصبح الأداء مبهرًا، فالملاعب في القرى والنجوع رملية أو طينية مختلطة واللعب عادة بقدم حافية أو بحذاء من كاوتش باتا على أفضل الأحوال وليس اللعب لحافي القدمين كالرقص لحافية القدمين فشتان مابين الهدفين فالتسجيل في الجون ليس كالتسجيل في الهوى.
وبين فن لعبة كرة القدم وبين بعض صنوف الفن صلة، وكلاهما يحصدا الشهرة والمال وكلاهما افيونة الشعوب فلاعب الكرة حلم كل شاب رياضي والفنان أو الممثل أو الراقصة المشهورة حلم كل فتى أو فتاة تعمل في مجال الفن أو حتى هاو او هاوية.
ولكن ما أدراك ماهي؟ إنها المستديرة الساحرة، ففي زمن الستينات كانت المقولة السائدة إن الشعب المصري يفطر الفول ويتغذى كورة، حيث كانت المباريات تقام بعد الظهر قبل زمن الأضواء الكاشفة، ويتعشى أم كلثوم، ياله من شعب عبقري، وفي تلك الظروف أنجبت مصر صالح سليم، وعلي أبو جريشة، وطه بصري، والشاذلي، ومصطفى رياض، ثم جاء الخطيب، وحسن شحاتة، وفاروق جعفر، وهكذا دواليك، ثم أصبح إكتشاف المواهب مرهون بالنوادي الكبرى أو بالواسطة وربما بالوراثة، وسقط في الطريق من سقط من مواهب فذة.
لكنها لم تجد من يحنو عليها ويفتح لها الطريق ويمنحها الفرصة برغم إنتشار مراكز الشباب في كل ربوع المحروسة ولكن لان تمويل فرق النوادي المحلية يحتاج إلى دعم مادي كبير لا تتحمله ميزانية أي نادي بالمحافظات إلا ماندر وبدعم من رجال الأعمال فتفقد الفرق الطريق وتضل قدم المواهب الشابة الناشئة وجهتها.
فكيف نستطيع فلترة تلك المواهب ليكون لدينا عشرات من محمد صلاح ورفاقه العظماء، فمعظم أروع اللاعبين الفرنسيين أتوا من حواري تونس والجزائر والمغرب كزين الدين زيدان وأشرف حكيمي وغيرهم، فهل نستطيع عمل برنامج على شاكلة ستار أكاديمي أو آراب أيدول لاختبار المواهب والتصفية بينهم؟، على أن تتوافر الشفافية والنزاهة لنخوض بهم كأس العالم القادم.
فقد كنا قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى الأدوار النهائية وأثبتنا أن مصر تستطيع، فلما لا وقد وصلت الكرة “الكڤر”، إلى كل قرى وحواري مصر ويمكن أن نصنع ألف ميسي ورونالدو والهدف نبيل، لأنه في النهاية صناعة السعادة وهي غاية عُليا تبحث عنها الشعوب، فقد دخلت السعادة إلى كل بيت في مصر بل في الوطن العربي مع كل هدف أو فوز للفريق القومي ونسى همومه، وارتفاع الأسعار، وفاتورة الكهرباء، وثمن البنزين، وارتفاع أجرة القطار.
أصبح الشعب بكل طبقاته لا يفكر إلا في موعد المبارة ومكان اللقاء، يبحث عن دوبامين السعادة وبعض السيروتينين المفقود أو حتى ضمة نشوة تخرج الاوكسيتوسن المحبوس بين أروقة الغدة النخامية.




















