يحتفل المصريون كل عام بأحد أقدم أعيادهم، وهو عيد شم النسيم ، الذي لا يعرف الفواصل الزمنية ولا اختلاف الأديان.
إنه العيد الذي عاشه المصري القديم بنفس الطقوس التي لا تزال تزين موائد البيوت المصرية حتى اليوم.
فكيف بدأ هذا العيد؟ ولماذا لا يزال يحتفظ بقدسيته الشعبية رغم مرور آلاف السنين؟
جذور العيد عند الفراعنة: طقس للحياة لا للموت
لم يكن شم النسيم مجرد احتفال موسمي لدى المصري القديم، بل كان إعلانًا مقدسًا عن بداية الحياة.

فمع تفتح الزهور وظهور الزرع من قلب الأرض، رأى الفراعنة أن الربيع رمز لانبعاث الحياة.
وكان البيض الملوّن لديهم تجسيدًا حيًا لهذه الفكرة، فهو جماد ينكسر منه كائن حي، رمز الخلق من العدم.
الطعام في شم النسيم لم يكن عشوائيًا:
الفسيخ (السمك المملح): تجسيد لعلاقة المصري بالنيل، مصدر الخصب والحياة.
البصل: رمز للقوة والحياة، وكان يُعلّق على جدران المنازل كدرع ضد الأرواح الشريرة.
الخس: نبات مقدس اسمه بالهيروغليفي “عيب”، ارتبط بالخصوبة وكان معروفًا منذ الأسرة الرابعة.
احتفال شعبي بطعم الطبيعة
كان الفراعنة يبدأون عيد شم النسيم مع طلوع الشمس، ويخرجون في نزهات شعبية إلى الحدائق وضفاف النيل.
ورغم مرور آلاف السنين، لا تزال هذه العادة قائمة بين المصريين حتى اليوم، فالاحتفال يتم دومًا يوم الاثنين التالي لعيد الفصح المسيحي، ما يجعله طقسًا فريدًا تتوارثه الأجيال، لا يرتبط بدين بل بالأرض والهوية.
شم النسيم.. الهوية الشعبية التي عبرت القارات
العيد الذي انطلق من وادي النيل لم يتوقف على أرض مصر فقط، بل انتقلت طقوسه إلى مناطق أخرى، حتى وصلت إلى أوروبا.
شم النسيم لا يشبه عيد النيروز القبطي، بل هو أقدم منه، وأكثر انغراسًا في وجدان الناس كمناسبة للفرحة الجماعية والارتباط بالطبيعة.
أعياد مصرية قديمة أخرى: حين يتحول النيل إلى مسرح للاحتفال
لم يكن شم النسيم وحده، بل احتفل المصريون القدماء بعدة مناسبات ذات طابع شعبي وروحي، من بينها الآتي:
عيد وفاء النيل (26 بؤونة): مهرجان الفيضان وموسم الخير، يبدأ بقياس منسوب النيل حتى بلوغ “ستة عشر ذراعًا”، ويصاحبه احتفالات كبرى بالألعاب النارية والطعام الفاخر.
عيد الشهيد (8 بشنس): احتفال ديني شعبي كانت تشارك فيه جميع الطوائف، ويرتبط بأسطورة غسل “إصبع الشهيد” في النيل لتبارك المياه.
عيد النيروز (أول توت): بداية السنة القبطية وكرنفال صاخب يسير في الشوارع على أنغام الطبول وأهازيج العامة، تزينه الحلويات والفواكه.
المحمل المصري: احتفال رسمي مهيب بخروج كسوة الكعبة من مصر، تتقدمه الفرق الموسيقية والفرسان، ويشاركه عامة الناس والمهرجون في “دوران المحمل”.
يظل شم النسيم عنوانًا لهوية مصرية ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ. عيد لا يعرف الفواصل الطبقية ولا الدينية، بل يوحّد الجميع تحت راية واحدة: الاحتفاء بالحياة.
وما بين البيض الملون والفسيخ و”فسحة الجناين”، يعود صوت الفراعنة في خلفية المشهد، يقول لنا: “احتفلوا.. فالحياة تستحق الطقوس”.
اقرأ أيضا: أولها شم النسيم.. إجازات رسمية في 2025





















