خليني أقول حاجة يمكن ناس تزعل منها:
أحيانًا أنا مش خايف من الشخص اللي بيشتم المختلف معاه… قد ما أنا خايف من الشخص اللي بيشتمه وهو مقتنع إنه بيعمل خير.
لأن الأول عارف إنه بيشتم.
إنما الثاني ممكن يكون مقتنع إنه بيؤدي رسالة.
ودي أخطر.
تخيل واحد كتب رأيًا على فيسبوك.
الرأي مستفز.
ممكن يكون غبي.
ممكن يكون مستفز جدًا.
وممكن كمان يكون رأيًا أنت شايف إنه يهين معتقدك.
طيب…
إيه اللي يحصل؟
ترد عليه.
تختلف معاه.
تشرح له.
ده طبيعي.
لكن واحد يدخل يشتمه.
واحد تاني يشتم أهله.
ثالث ينشر صورته.
رابع يعمل له منشن لعشرات الأشخاص.
خامس يقول: «لازم نربيه».
سادس يقول: «ده يستاهل».
وفجأة…
الشخص اللي كتب سطرين على الإنترنت يجد أمامه جيشًا كاملًا.
وهنا عندي سؤال مش ديني.
ولا سياسي.
ولا حتى قانوني في البداية.
إحنا كبشر… إمتى اتفقنا إن كثرة العدد بتدي الحق؟
لأن لو مائة شخص شتموا شخصًا واحدًا…
هل أصبحوا على حق لأنهم مائة؟
طيب لو ألف؟
ولو عشرة آلاف؟
هل الحق بيتحدد بعدد اللايكات؟
لو الإجابة «لا»…
يبقى عندنا مشكلة.
لأن السوشيال ميديا صنعت لنا وهمًا خطيرًا جدًا:
وهم أن الجماعة لا تخطئ.
واحد يشتم.
يشوف عشرة بيشتموا.
فيكمل.
العشرة يشوفوا مائة.
فيكملوا.
المائة يشوفوا ألف.
وفجأة يصبح الشيء الذي كان سيخجل الإنسان من فعله وحده، شيئًا يفعله بثقة وسط الجماعة.
وهنا العقل يعمل حركة خطيرة.
بدل ما يسأل:
«هل اللي أنا بعمله صح؟»
يبدأ يسأل:
«هو كل دول غلط وأنا الوحيد الصح؟»
ودي لحظة خطيرة جدًا.
لأن كثرة المؤيدين لا تحول الخطأ إلى صواب.
وإلا كان التاريخ كله محتاج يعيد كتابة نفسه كل يوم حسب عدد المؤيدين.
لكن خلينا نقلب المشهد.
بدل ما تكون أنت الشخص اللي بيشتم…
خليك أنت الشخص اللي بيتشتم.
أنت كتبت رأيًا.
فجأة وجدت عشرات الحسابات تهاجمك.
ثم بدأوا يدخلون على صورك.
ثم وجدوا اسم زوجتك.
ثم أولادك.
ثم مكان شغلك.
ثم بدأ واحد يكتب كلامًا يمس سمعتك.
وآخر يقول لك:
«هنعرف نوصلك.»
هنا السؤال:
هتعمل إيه؟
أول حاجة: ما تدخلش المباراة بالشروط اللي هم حاطينها.
ما تشتمش.
ما تهددش.
ما تنشرش بياناتهم الشخصية.
وما تحاولش تثبت إنك «أشرس منهم».
لأنك لو عملت كده، أنت ساعدتهم في تحويل الموضوع من اعتداء عليك إلى خناقة بين طرفين.
احتفظ بكل حاجة.
صور المنشورات والتعليقات.
احتفظ بالروابط.
سجل التواريخ والحسابات وأي رسائل خاصة أو تهديدات.
ولو الموضوع وصل إلى تشهير أو تهديد أو ابتزاز أو نشر بيانات خاصة أو تحريض على الاعتداء، ما تعتمدش على «بلوك» وخلاص.
استشير محاميًا وتحرك قانونيًا.
وفي نفس الوقت استخدم أدوات الإبلاغ الموجودة على المنصة، وقلل احتكاكك المباشر بالحسابات التي تحاول جرّك إلى معركة مفتوحة.
والأهم:
ما تحاولش تقنع الجيش كله.
دي واحدة من أكبر الفخاخ.
لأنك لو حاولت الرد على مائة شخص، هتجد نفسك بعد ساعات تناقش أشخاصًا لا يريدون أصلًا أن يقتنعوا.
هدفك مش إنك تكسب كل تعليق.
هدفك إنك تحمي نفسك، وتوثق الاعتداء، وتمنع تصعيده، وتخلي القانون هو اللي يتعامل مع التجاوزات التي تستوجب تدخلًا قانونيًا.
لكن هنا نرجع للسؤال الأصعب.
طيب واللي بيعمل الحملة؟
ممكن يقول:
«إحنا بنغير المنكر.»
تمام.
بس خلينا نسأله سؤالًا بسيطًا:
هل أنت مستعد تقبل نفس القاعدة لو اتطبقت عليك؟
لو قلت:
«آه، أي حد مختلف معايا من حقه يجي يشتم أمي ويهين أولادي وينشر صوري ويحشد الناس ضدي.»
يبقى أنت على الأقل متسق مع نفسك.
لكن لو قلت:
«لا طبعًا، ده اعتداء.»
يبقى عندك مشكلة منطقية.
لأنك ببساطة تريد لنفسك حماية القانون…
وتريد لخصمك أن يعيش بلا حماية.
وده مش دفاع عن الحق.
ده امتياز لنفسك.
والأخطر من كده…
إن الشخص الذي يبدأ اليوم بمطاردة ملحد لأنه يكره أفكاره، قد لا يتخيل أبدًا أنه يضع قاعدة يمكن أن تُستخدم ضده.
لكن القواعد لا تعرف نوايا أصحابها.
لو قبلنا أن «الدين» يعطي مجموعة من الناس حق مطاردة المختلف…
فكل جماعة تستطيع غدًا أن تقول إن فكرتها هي الدين.
ولو قبلنا أن «الأغلبية» تستطيع إسكات الأقلية…
فأنت محتاج فقط أن تنتظر حتى تتغير الأغلبية.
ولو قبلنا أن الشتيمة تصبح مقبولة عندما يكون السبب مقدسًا في نظرنا…
فكل شخص يستطيع أن يبحث عن «سبب مقدس» لشتيمته.
وهنا نصل إلى الكارثة.
المشكلة مش إن عندنا ناس بتختلف.
المشكلة إننا ممكن نربي جيلًا كاملًا على أن الاختلاف يعطيك حق العقاب.
وده أخطر من أي منشور.
لأن المنشور بيموت.
لكن الفكرة بتعيش.
والطفل اللي يشوف أبوه وأمه بيشتموا المختلف، والشاب اللي يشوف آلاف الناس بيصفقوا لمن يطارد شخصًا على الإنترنت، بيتعلم درسًا أخطر من كل الكلام:
أن القوة في العدد… وأن المختلف عدو… وأن الإهانة تصبح حلالًا إذا أقنعت نفسك أن عندك سببًا مقدسًا.
وهنا أنا مش بسأل:
«هل الملحد على حق؟»
ولا بسأل:
«هل الشيخ على حق؟»
ولا حتى بسأل:
«مين المختلف ومين المتدين؟»
أنا بسأل سؤالًا أخطر:
هل نريد أن نعيش في بلد يحمي الإنسان لأنه إنسان… أم في بلد يبحث فيه كل شخص عن جماعته لكي تحميه عندما يأتي الدور عليه؟
لأنك لو اخترت الثانية…
فمتفرحش قوي وأنت شايف الجيش بيطارد شخصًا لا تحبه.
ممكن جدًا…
الدور الجاي يكون عليك.
















