تعالى نعمل تجربة صغيرة.
تخيل إنك قاعد في محل حلاقة، والحلاق مشغل أغاني.
دخل شخص وقال له:
— اقفل الأغاني دي… الأغاني حرام.
الحلاق قال له:
— دي محلي وأنا حر.
الشخص اتضايق.
لحد هنا… عندنا واحد شايف حاجة غلط، وقرر ينصح صاحب المكان.
ممكن تختلف معاه أو تتفق.
لكن استنى شوية.
تعالى نزود شخصًا ثالثًا.
وبعدين رابعًا.
وبعدين عشرة.
وبعدين جروب كامل على فيسبوك.
كلهم دخلوا على صفحة الحلاق، شتموه، اتهموه في دينه وأخلاقه، نشروا صورته، وبدأوا يطالبوا بمعاقبته.
هنا أنا عندي سؤال مختلف تمامًا:
إمتى النصيحة اتحولت إلى مطاردة؟
والأخطر:
إمتى بقى من حق مجموعة من المواطنين إنها تعاقب مواطنًا آخر لأنه لم يستجب لرأيهم؟
ممكن حد يقول لي:
«يا عم ما هو بيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.»
تمام.
خلينا نفترض إنك مقتنع تمامًا إن الأغاني حرام.
السؤال مش عن الأغاني.
السؤال عن السلطة.
لأنك لو أعطيت لنفسك حق إجبار الآخرين على تنفيذ ما تراه أنت صحيحًا، فأنت لم تعد تقدم نصيحة.
أنت بدأت تمارس سلطة.
وهنا لازم نسأل:
مين أعطاك السلطة دي؟
ودي مش مسألة دينية أصلًا.
دي مسألة دولة وقانون.
لأن الشرطة عندها سلطة، لأن القانون أعطاها سلطة.
والنيابة عندها اختصاص، لأن القانون حدده.
والقاضي عنده ولاية، لأن الدولة منحته هذه الولاية.
حتى الموظف العام، سلطته مش ملكه الشخصي؛ هي سلطة محددة ومقيدة بالقانون.
لكن المواطن العادي؟
مين قال له إن اختلاف شخص آخر معه يعطيه حق ملاحقته أو تهديده أو الاعتداء عليه؟
والحكاية مش واقفة عند محل الحلاقة.
المشكلة الحقيقية بدأت تظهر على السوشيال ميديا.
شخص يقول رأيًا دينيًا مختلفًا.
شخص ينتقد فكرة.
شخص يعلن إنه لا يؤمن بدين.
شخص يسأل سؤالًا لا يعجب الناس.
وفجأة…
بدل ما نناقش السؤال، نبدأ نفتش في حياته.
وبدل ما نرد على الفكرة، نشتم الرجل.
وبدل ما نختلف معاه، ندخل نشتم أهله.
وبدل ما نثبت إن كلامه غلط، نشكك في إيمانه.
وبدل ما نقول له «أنت مخطئ»…
نبدأ حملة جماعية لإسكاته.
وهنا لازم نقف لحظة.
لأن هناك فرقًا هائلًا بين:
أنا أعتقد أنك مخطئ.
وبين:
أنا أعتقد أن من حقي أن أؤذيك لأنك مخطئ.
الأولى اسمها اختلاف.
الثانية بداية مشكلة.
والمشكلة الأكبر إن الإنسان عندما يكون وسط جماعة مقتنعة بنفس الفكرة، يبدأ يشعر أن ما يفعله ليس اعتداءً.
هو «يدافع عن الدين».
هو «يحارب الفتنة».
هو «ينصر الحق».
هو «يغير المنكر».
وهنا بالذات يصبح الأمر أخطر.
لأن أخطر شخص ليس بالضرورة الشخص الذي يعرف أنه يرتكب خطأ.
أحيانًا أخطر شخص هو الذي يعتقد أنه يرتكب الصواب وهو يؤذيك.
وهنا تخيلوا معي المستقبل.
اليوم مجموعة على الإنترنت تلاحق شخصًا لأنه ملحد.
غدًا مجموعة أخرى تلاحق شخصًا لأنه ينتقد شيخًا.
وبعد غدٍ مجموعة تلاحق شخصًا لأن رأيه الديني مختلف.
ثم مجموعة تلاحق فتاة لأن ملابسها لا تعجبهم.
ثم مجموعة تراقب محلًا لأن صاحبه يفعل شيئًا لا يعجبهم.
ثم يصبح لكل جماعة «منكراتها» الخاصة…
و«المجرمون» الخاصون بها…
و«العقوبات» التي تراها مناسبة.
في اللحظة دي إحنا مش قدام مجتمع متدين.
إحنا قدام مجتمع بدأ يصنع سلطات صغيرة خاصة به.
كل مجموعة ترى نفسها صاحبة الحق في مراقبة الآخرين.
والمشكلة إنك ممكن تكون سعيدًا جدًا بهذه الفكرة اليوم…
لأن الجماعة التي تستخدمها الآن تتفق معك.
لكن اسأل نفسك سؤالًا واحدًا:
ماذا لو تغيرت الجماعة؟
ماذا لو أصبحت أنت غدًا الشخص الذي لا يعجبهم؟
ماذا لو اختلفت معهم في مسألة كانوا بالأمس يتفقون معك فيها؟
ماذا لو أصبحت أنت «المنكر» في نظرهم؟
هنا ستكتشف شيئًا مهمًا:
أنت لا تحتاج أن تحب الملحد، ولا أن تتفق مع المختلف، ولا أن تقبل رأيًا تراه خطأ؛ لكي ترفض أن يتحول الاختلاف إلى مطاردة.
لأن القاعدة التي تحمي خصمك اليوم…
قد تكون هي نفسها القاعدة التي تحميك غدًا.
والدين لا يحتاج إلى ميليشيا إلكترونية تحميه.
والفكرة القوية لا تحتاج إلى شتائم.
والحق، إذا كان حقًا، لا يحتاج إلى مجموعة أشخاص تطارد المختلف معها.
أنا كمحامٍ، أول سؤال أسأله أمام أي سلطة هو:
مصدر السلطة إيه؟ وحدودها فين؟
لأن أخطر شيء في أي مجتمع مش إن الناس تختلف.
أخطر شيء إن الناس تبدأ تعتقد أن اختلاف الآخرين يمنحها حق معاقبتهم.
ساعتها…
الموضوع لم يعد «أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر».
الموضوع أصبح سؤالًا أكبر بكثير:
**هل نحن أمام مجتمع ينصح بعضه بعضًا…
أم أننا بدأنا، من غير ما نشعر، في تربية شرطة دينية على السوشيال ميديا؟**




















