كتب صابر سكر:
أثار منشور باللغة العربية نشره الصحفي الإثيوبي جيم ديسوتي، رئيس تحرير إذاعة “مستقبل أوروميا”، جدلًا واسعًا، بعد تضمّنه اتهامات مباشرة لمصر بالعداء تجاه الشعب الإثيوبي، فضلًا عن ما احتواه من مغالطات وتناقضات بشأن ملف سد النهضة.
وقد اعتُبر الخطاب، الذي نُشر عبر الصفحة الرسمية للإذاعة، تصعيدًا إعلاميًا غير مسبوق، دفع خبراء ومحللين إلى الرد دفاعًا عن موقف مصر وتوضيح الحقائق أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.
إقرار ضمني بخلل في تشغيل السد
تضمّن المنشور اعترافًا غير مباشر بوجود خلل في إدارة وتشغيل السد، إذ أقرّ ديسوتي باضطرار الحكومة الإثيوبية إلى فتح بوابات السد خلال موسم الأمطار عام 2025، في إجراء يوحي ببلوغ البحيرة مستويات حرجة قد تهدد سلامة بنية السد.
وفي تصريح خاص لموقع “الحرية”، أوضح الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن سد النهضة تحوّل إلى “قنبلة مائية موقوتة”، خصوصًا مع وصول مخزون البحيرة إلى نحو 40 مليار متر مكعب قبيل موسم الفيضان، مما يستلزم تفريغ المياه لتخفيف الضغط.
وأضاف شراقي أن صور الأقمار الصناعية الأخيرة أظهرت تعطل التوربينات بالكامل وفشل السد في توليد الكهرباء، ما يحوّله من مشروع تنموي إلى عبء سياسي يهدد استقرار دولتي المصب.
وشدد على أن استمرار إثيوبيا في اتخاذ قرارات أحادية، دون تنسيق مع مصر والسودان، يفاقم الأزمة، لا سيما أن هذه الكميات الزائدة من المياه قد لا تمثل فائدة لمصر، بل تُلحق أضرارًا اقتصادية بالزراعة، لا سيما في المحاصيل الاستراتيجية مثل الأرز.
“فلا إثيوبيا تستفيد، ولا مصر ولا السودان”، حسب تعبيره.
وقال الدكتور محمد حسين، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم، لـ«الحرية»، إن القاهرة لم تستخدم المرتزقة في سياساتها الخارجية، مؤكدًا أن علاقاتها مع الصومال تقوم على أسس قانونية من التعاون الرسمي، التنموي والعسكري، في إطار يحترم السيادة ويستند إلى الشفافية والمواثيق الدولية.
سياسات إثيوبيا التوسعية تحت المجهر
محاولة ديسوتي تحميل مصر مسؤولية التوتر في حوض النيل تتناقض مع الواقع، إذ تُظهر الوقائع أن السياسات الإثيوبية هي المحرك الأساسي للأزمات، بدءًا من النزاع الحدودي مع السودان في منطقة الفشقة، ومرورًا بالتدخل في إقليم أوجادين، ووصولًا إلى الاشتباكات المتكررة في إقليم بني شنقول الذي يحتضن السد.
كما تواجه أديس أبابا اضطرابات إثنية داخلية وعلاقات متوترة مع دول الجوار مثل إريتريا، ما يضعها في موقع الطرف الأكثر تهديدًا لاستقرار المنطقة، بعكس ما تسعى إليه مصر من تهدئة وتكامل إقليمي.
غياب الإرادة السياسية يعمّق الأزمة
وفي هذا السياق، أكد الدكتور السيد رزق، أستاذ السياسات الاجتماعية بجامعة الإسكندرية، أن جذر الأزمة يكمن في تعنت الجانب الإثيوبي ورفضه التوقيع على اتفاق قانوني مُلزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، بما يضمن الحقوق التاريخية لدولتي المصب.
وأوضح رزق لـ«الحرية» أن هذا الموقف أجهض جهود الوساطة من الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي، ويعكس غياب الإرادة السياسية لإنهاء الأزمة من خلال تسوية عادلة ومستدامة.






















