سادت حالة من الاستياء المكتوم داخل القرى والنجوع نتيجة التقديرات الجزافية التي فرضتها لجان المحليات في ملف تقنين البناء، حيث اصطدمت أحلام البسطاء في تشريع أوضاع منازلهم بجدران من القرارات الإدارية التي وصفها البعض بأنها غائبة عن الواقع الاقتصادي المرير، واندلعت موجة من الجدل الواسع عقب الكشف عن فجوات صارخة في تسعير المتر الذي وصل في بعض المناطق الريفية والمراكز إلى أرقام خيالية لا تتناسب مع قيمة العقارات أو دخل المواطنين، ووضعت هذه الأزمة المحافظين في مواجهة مباشرة مع الجمهور بعدما تجاهلت اللجان المشكلة توجيهات التيسير، واكتفت برفع سقف المطالبات المالية التي أثقلت كواهل الفلاحين الذين يعتمدون على الدخل الموسمي المحدود بداخل المحافظات.
فخ أسعار المتر والمحليات
كشفت ملفات تقنين البناء عن غياب كامل للمرونة في تدرج الأسعار التي حددها القانون بين 50 جنيها و2500 جنيه للمتر الواحد، حيث اعتمدت اللجان المشكلة من قبل المحافظين تقييمات قريبة من الحد المتوسط أو الأعلى حتى في أصغر العزب والنجوع المنعزلة، وتجاهل المسؤولون في الوحدات المحلية انخفاض القيمة السوقية للمباني في الريف مقارنة بالمدن الكبرى مما خلق حالة من عدم العدالة الاجتماعية، وأسفرت هذه السياسة عن تحميل المواطن أعباء مالية ضخمة تبدأ برسوم الفحص ورسم المعاينة وتصل إلى تكاليف تقارير السلامة الإنشائية، وهو ما اعتبره المتابعون عائقا متعمدا أمام تنفيذ قانون التصالح الجديد الذي كان يهدف في الأساس إلى التيسير على الناس وحل أزمات البناء القديمة.
عوار الكردونات وتباين التقديرات
أظهرت الإجراءات المتبعة في المحليات تباينا غير مبرر في سعر المتر بين القرى المتجاورة التي تتبع محافظات مختلفة رغم تشابه ظروفها الاقتصادية، ورفض المواطنون في القرى المنعزلة معاملة بيوتهم الواقعة خارج الحيز العمراني بأسعار مرتفعة بحجة التعدي على الأرض الزراعية رغم مأهوليتها منذ سنوات طويلة، واعتبر الأهالي أن إصرار المحليات على تحصيل مبالغ تصل لعشرات الآلاف مقابل تقنين مساحات صغيرة يمثل عقوبة مالية مزدوجة لا تراعي الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة، وظهر التعثر في التنفيذ الفعلي بوضوح رغم الصدور الرسمي لقرارات سابقة تقضي بتخفيض الأسعار بنسبة 40% والتأكيد على سعر 50 جنيها كحد أدنى لدعم القرى والنجوع الفقيرة بداخل أقاليم البلاد.
انتقد المختصون غياب الشفافية في قرارات اللجان المحلية التي منحت لنفسها سلطة التقدير دون معايير واضحة تراعي تفاوت الخدمات والمرافق، وتابعت الدوائر الرقابية حجم الشكاوى المتزايدة من تعقيدات الكردونات والمساحات المتاخمة التي تحولت إلى وسيلة لجمع الأموال بدلا من تنظيم العمران، واستمرت المحليات في تجاهل البعد الاجتماعي للأسر التي تعاني من الفقر المدقع والاكتفاء بتطبيق اللوائح الجامدة التي تخدم الحصيلة المالية للمحافظة فقط، وجاءت هذه الأزمة لتعيد التساؤلات حول دور المحافظين في مراقبة اللجان ومنع التجاوزات التي تسببت في حالة من الاحتقان الشعبي، وشدد الخبراء على ضرورة تدخل الجهات السيادية لضبط إيقاع التقييم السعري وضمان وصول الدعم لمستحقيه بعيدا عن بيروقراطية المكاتب.






















