قرارات «تعكير المزاج العام» ليست مجرد أخطاء عابرة، بل أصبحت نمطًا متكررًا في إدارة الملف الاقتصادي، حيث تُتخذ السياسات دون دراسة حقيقية للأثر المجتمعي والنفسي على المواطنين. فعندما تتخذ الحكومات قرارات اقتصادية، لا يكفي أن تنظر إلى حجم الحصيلة المتوقعة، بل يتوجب عليها أن تحدد بوضوح من سيتحمل الكلفة، وما إذا كان العائد يستحق حجم الغضب والضيق الذي سيخلقه القرار داخل المجتمع. وفي قرار الإلغاء المفاجئ لإعفاء الهواتف المحمولة الواردة من الخارج، وهو إعفاء لم يُكمل عامًا واحدًا منذ تطبيقه، يظهر القرار كخطوة متسرعة بلا هدف واضح سوى تحقيق زيادة محدودة في الإيرادات العامة، مقابل ثمن اجتماعي وسياسي واضح يتمثل في تعكير المزاج العام للمصريين، وبخاصة المصريين بالخارج.
فحتى الآن لم تعلن أي جهة رسمية رقمًا واضحًا عن عدد الأجهزة التي دخلت البلاد مع المسافرين خلال العام الماضي، ولا عن حجم العائد الحقيقي المتوقع من فرض الرسوم عليها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل مشروع حول جدوى القرار من الأساس، وهل يستحق الأمر أن يتم تحميل المواطن عبئًا إضافيًا لمجرد تحصيل بضعة ملايين لا تمثل فارقًا ملموسًا في ميزان الاقتصاد الكلي؟ وإذا كان الهدف المعلن من القرار السابق هو وقف تهريب الهواتف المحمولة، وهو هدف لا خلاف على أهميته، فإن الواقع يؤكد أن هذا الهدف قد تحقق بالفعل إلى حد كبير، ومع ذلك فإذا تم رصد ثغرات في التطبيق، فإن المنطق السليم يقتضي علاج تلك الثغرات ومحاسبة المتسببين فيها، لا معاقبة الجميع بعقوبة جماعية لا تفرق بين ملتزم ومخالف.
أما تبرير القرار بحماية الصناعة الوطنية وتوطينها، فهو في هذه الحالة استخدام لشعار صحيح في غير موضعه، لأن ما يُمارس فعليًا داخل السوق المحلي هو تجميع لا تصنيع، فجميع مكونات الهواتف المحمولة مستوردة من الخارج، ولا يتحقق الحد الأدنى للمكوّن المحلي الذي يسمح بإطلاق صفة صناعة حقيقية وفقًا للمعايير المعتمدة عالميًا، فضلًا عن أن أنواع الهواتف المُجمعة محليًا تختلف جذريًا عن الهواتف الحديثة التي يأتي بها المسافرون من الخارج، سواء من حيث الفئة السعرية أو المستوى التقني، وهو ما ينفي وجود منافسة حقيقية من الأساس.
وبناءً على ذلك، فإن القرار لا يحمي صناعة وطنية، بل يوفر مظلة حماية للتجار والمصانع على حساب المستهلك، ويفتح الباب واسعًا أمام ممارسات احتكارية تضر بالسوق وتؤدي إلى رفع الأسعار دون مبرر اقتصادي حقيقي. وتزداد المفارقة وضوحًا حين نكتشف أن الهاتف القادم من الخارج، حتى بعد إضافة رسوم تصل إلى 37.5٪، يظل في كثير من الأحيان أقل سعرًا من مثيله المباع محليًا، والذي يخضع لضريبة القيمة المضافة بنسبة لا تقل عن 14٪، دون أن يقابل ذلك فارق في الجودة أو التطور التكنولوجي، ما يجعل المستهلك هو الخاسر الوحيد في المعادلة.
والأثر المؤكد الوحيد لهذا القرار يتمثل في حالة عامة من الضيق والاستياء، خاصة بين المصريين بالخارج، الذين يمثلون في الوقت الراهن أهم مصدر للعملة الأجنبية، والذين يُطلب منهم باستمرار دعم الاقتصاد الوطني، وضخ الاستثمارات، وتحمل أعباء المرحلة، ثم يجدون أنفسهم محل محاسبة على هاتف محمول يشترونه كهدية لابن أو أم أو أحد أفراد الأسرة، إن هذا النوع من الرسائل السلبية لا يشجع على الانتماء الاقتصادي، ولا يعزز الثقة، بل يراكم شعورًا بالتهميش والاغتراب داخل وطن يُفترض أنه الحاضنة الأولى لأبنائه.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الموقف السلبي لقطاع وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج، الذي التزم الصمت إزاء هذا القرار المثير للجدل، وتجاهل بشكل كامل عشرات البيانات الرسمية الصادرة عن الاتحادات والكيانات الممثلة للمصريين بالخارج، والتي أعلنت بوضوح رفضها للقرار وتداعياته، فالدور المنوط بهذا القطاع ليس التماهي مع القرارات المثيرة للغضب، بل القيام بدوره الأصيل كحلقة وصل حقيقية بين الدولة وأبنائها في الخارج، ونقل صوتهم ومخاوفهم واحتياجاتهم إلى دوائر صنع القرار، إن غياب هذا الدور، أو الاكتفاء بمواقف رمادية خالية من الفعل، يُعد إخلالًا مباشرًا بالمسؤولية، ويعمّق فجوة الثقة، ويعزز الإحساس لدى المصريين بالخارج بأنهم خارج حسابات الدولة ومؤسساتها.
إن تجاهل الأثر النفسي والمجتمعي للقرارات الاقتصادية خطأ استراتيجي لا يقل خطورة عن الخطأ المالي نفسه، لأن الاقتصاد ليس أرقامًا صماء، بل منظومة متكاملة تتأثر بالثقة والرضا والاستقرار، والسياسة هنا ليست رفاهية بل جزء لا يتجزأ من القرار الاقتصادي الرشيد والقرارات التي تُتخذ بمعزل عن هذا الإدراك، مهما بدت مبررة على الورق، تظل قاصرة ومحدودة الأثر.
وفي ظل هذا المشهد، يظل المصريون بالخارج في انتظار تدخل مباشر من الرئيس عبدالفتاح السيسي، باستخدام صلاحياته وكارت الفيتو، لإنقاذ ما تبقّى من حقوق المصري بالخارج، وإعادة تصويب هذا المسار، وترميم العلاقة وإعادة بناء الجسر بين المصري في الخارج ووطنه الأم، وهو جسر تعرض لتصدعات متتالية حتى بات اليوم على حافة الهاوية. فالمصري بالخارج ليس متهمًا ولا عبئًا، ولا مجرد مصدر مؤقت.





















