تحل اليوم الثلاثاء 7 أكتوبر ذكرى ميلاد نعيمة عاكف، الفنانة المصرية التي وُلدت لتكون استثنائية في كل شيء، بدأت حياتها بين حبال السيرك وأصوات الطبول، وانتهت كنجمة استعراض لا تُنسى، جمعت بين الرقص والتمثيل والغناء والمونولوج في مزيج لم يتكرر.
رغم رحيلها منذ ما يقارب 60 عامًا، لا تزال ذكراها حاضرة في قلوب عشاق الفن الأصيل الذين رأوا فيها رمزًا للموهبة الفطرية والعزيمة التي لا تنكسر.
كانت نعيمة عاكف واحدة من أوائل الفنانات اللاتي نقلن فن الرقص الشرقي من مجرد استعراض شعبي إلى مدرسة فنية متكاملة، تمزج بين الجمال والحركة والتمثيل والإحساس، لتصبح رمزًا للفن المصري في الخمسينيات والستينيات، واسمًا لا يُمحى من ذاكرة السينما العربية.
ذكرى ميلاد نعيمة عاكف.. بداية من السيرك إلى قمة المجد
وُلدت نعيمة عاكف في مدينة طنطا عام 1929، خلال فترة كان فيها سيرك والدها يقدم عروضه في المولد الكبير للسيد البدوي، وهناك بدأت الحكاية.
فُتحت عيناها على أجواء مبهرة من العروض البهلوانية والحيوانات المدربة والموسيقى الصاخبة. كانت الطفلة الصغيرة تقلد الحركات وتشارك في الألعاب، لتصبح لاحقًا أصغر لاعبة أكروبات في سيرك والدها.
لكن الحياة لم تسر دائمًا في اتجاه الفرح؛ إذ انفصل والداها وهي في العاشرة من عمرها، فانتقلت مع والدتها وأشقائها إلى القاهرة، واستقروا في شقة بسيطة بشارع محمد علي، الذي كان مركزًا للفنانين آنذاك.
وهناك بدأت تتشكل موهبتها الحقيقية، فتعلمت الرقص والغناء، وبدأت تقدم فقرات صغيرة في الملاهي الليلية.

من ملهى الكيت كات إلى أول بطولة في “لهاليبو”
كانت الصدفة هي بوابة نعيمة عاكف إلى السينما، حين شاهدها المخرج أحمد كامل مرسي في ملهى الكيت كات وأُعجب بخفتها وحضورها، فقرر أن يمنحها أول فرصة صغيرة كراقصة في فيلم “ست البيت”، لكن المخرج الكبير حسين فوزي كان له رأي آخر، فقد رأى فيها بطلة تصلح لتغيير شكل السينما الاستعراضية، فقدمها في فيلم “العيش والملح”، ثم قرر احتكار أعمالها لحساب شركة “نحاس فيلم”، لتصبح بطلة فيلمه الشهير “لهاليبو”، الذي كان نقطة تحول في حياتها الفنية.
لم يكتفِ فوزي بذلك، بل تزوجها رغم فارق السن الكبير بينهما، وحرص على توجيهها فنيًا، فقدم لها أعمالًا أصبحت من علامات السينما المصرية مثل: “بلدي وخفة”، “بابا عريس”، “جنة ونار”، “يا حلاوة الحب”، و”تمر حنة”، الذي يُعد واحدًا من أشهر أفلامها على الإطلاق، وما زال يُعرض على القنوات حتى اليوم.
ذكرى ميلاد نعيمة عاكف.. استعراضية لا تُشبه أحدًا
كانت نعيمة عاكف فنانة شاملة بكل معنى الكلمة. لم تكن مجرد راقصة، بل ممثلة تمتلك حضورًا ساحرًا وموهبة تمثيلية طبيعية، جعلت الجمهور يصدقها في أدوار الفتاة البريئة، والمشاكسة، والمظلومة، والمتمردة على السواء.
في فيلم “فتاة السيرك” مثلًا، نقلت مشاعرها من واقعها الحقيقي، فهي ابنة السيرك التي تعرف تفاصيله جيدًا، لذلك بدت صادقة ومؤثرة إلى درجة جعلت الفيلم يحقق نجاحًا كبيرًا وما زال يُعرض حتى الآن.
كانت أيضًا من أوائل النجمات اللاتي أدخلن فكرة “الاستعراض المتكامل” في السينما، حيث يمتزج الغناء بالرقص والدراما في مشهد واحد، بأسلوب يشبه ما يُعرف اليوم بعروض “الميوزيكال”.
سر العروسة «شيكابوم».. بداية الحلم
من أغرب وأجمل القصص في حياة نعيمة عاكف كانت حكاية العروسة التي غيّرت مسار حياتها، فبحسب ما رَوَت ابنة شقيقها الفنانة هند عاكف، كانت نعيمة تملك دمية تُدعى “شيكابوم”، تهديها إليها إحدى السيدات وهي طفلة، وكانت تقلد حركاتها وتتعلم منها الرقص.
لكن والدها، الذي لم يكن راضيًا عن شغفها بالرقص، حطم العروسة ذات يوم أمامها. ذلك الموقف أشعل بداخلها روح التحدي، وجعلها تصمم على أن تصبح راقصة مشهورة يحبها الناس ويصفقون لها، ومن هنا بدأت الحكاية، لتتحول “شيكابوم” من مجرد دمية إلى رمز لبدايتها الفنية.
زواجها الثاني ونهاية حزينة
وبعد انفصالها عن حسين فوزي، تزوجت نعيمة عاكف من المحاسب صلاح الدين عبد العليم، الذي أحبها بصدق بعيدًا عن الأضواء، وأنجبت منه ابنها الوحيد محمد، لكن القدر لم يمنحها وقتًا طويلًا لتعيش حياة مستقرة؛ إذ أُصيبت بمرض سرطان الرحم، وعانت منه لثلاث سنوات متواصلة.
كانت تحاول الظهور أمام الجميع بابتسامتها المعتادة رغم الألم، واستمرت في العلاج حتى اشتد عليها المرض وألزمها الفراش لعدة أشهر، وفي عام 1966، رحلت عن عالمنا وهي في السادسة والثلاثين فقط، بعد رحلة قصيرة لكنها مليئة بالإنجازات.
بطلة في الحياة كما في الفن
رغم عمرها القصير، أنجزت نعيمة عاكف ما لم يفعله كثيرون في عقود طويلة، قدمت أكثر من 23 فيلمًا فقط، لكنها نجحت في ترك أثر فني لا يُنسى. حصلت على لقب “أفضل راقصة في العالم” خلال مهرجان الشباب العالمي في موسكو عام 1958، متفوقة على راقصات من أكثر من خمسين دولة.
وكانت تلك الجائزة بمثابة اعتراف عالمي بموهبتها المصرية الخالصة، وجعلت اسمها يتردد خارج حدود الوطن، وظلت فنانة مصرية تمثل القوة والإصرار والحلم، حتى بعد رحيلها.
نرشح لك: في ذكرى رحيل نعيمة عاكف.. أسرار لا تعرفها عن أسطورة الرقص والسينما
طقوس نجوم الزمن الجميل في رمضان| نعيمة عاكف “لهاليبو” تعشق قمر الدين المثلج وتُبدع في سلطة الفيتامينات وجيلي الفواكه


















