قال إبراهيم جلال، الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي، إن المباحثات التي جرت بين نائب وزير الصناعة والتجارة الروسي رومان تشيكوشوف ووزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري محمد فريد بشأن تبسيط التجارة والمسارات اللوجستية، ليست خطوة بروتوكولية عابرة، وإنما تأتي في سياق مسار تصاعدي واضح بالأرقام.
وأوضح، لـ”الحرية”، جلال أن هذا المسار يظهر من خلال زيادة حجم الصادرات المصرية إلى روسيا من نحو 485 مليون دولار عام 2021 إلى نحو 811 مليون دولار عام 2025، بزيادة تناهز 66%، مشيرًا إلى أن الحجم الكلي للتجارة الثنائية شهد تفاوتًا بين تقديرات مصدر مصري وآخر روسي، إذ يتحدث الجانب المصري عن نحو 6 مليارات دولار خلال 2025، بينما يرفعه السفير الروسي إلى أكثر من 10.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 9.3 مليار دولار في 2024، وهو رقم أكده الرئيس عبدالفتاح السيسي شخصيًا على هامش قمة بريكس بالإشارة إلى نحو 10 مليارات دولار.
وأكد الخبير الاقتصادي أن هذا التفاوت في البيانات يمثل في حد ذاته مؤشرًا عمليًا على أهمية توحيد آليات الرصد الإلكتروني للبيانات الجمركية بين الجانبين، وهو أحد محاور المباحثات الأخيرة، موضحًا أن الانتقال إلى إدارة الوثائق إلكترونيًا في العمليات العابرة للحدود يمكن أن يكون له أثر مزدوج يتمثل في تقليص الوقت وخفض التكلفة اللوجستية.
الرقمنة تقلص زمن الإفراج الجمركي
وأشار جلال إلى أن تجارب مماثلة في التجارة البينية، مثل التحول للفوترة الإلكترونية والإقرار الجمركي المسبق ACI في مصر، خفضت زمن الإفراج الجمركي بنسب تراوحت بين 30% و50% في تجارب سابقة مع شركاء تجاريين آخرين، معتبرًا أن هذا المعدل يمكن استنساخه في التجارة المصرية الروسية، نظرًا لأن الجانبين ما زالا يعتمدان جزئيًا على مستندات ورقية في سلاسل الشحن البحري عبر البحر الأسود والبحر الأحمر.
وأضاف أن خفض التكلفة اللوجستية يمثل جانبًا آخر مهمًا، خاصة مع الإشارة الروسية إلى توريد أكثر من 8 ملايين طن من القمح إلى مصر خلال 2025 وحدها، موضحًا أن أي كفاءة في الإجراءات الحدودية تنعكس مباشرة على تكلفة الشحن بالنسبة للسلع ذات الأحجام الكبيرة، وعلى رأسها الحبوب والطاقة، وهو ما يفسر إدراج «المسارات اللوجستية الجديدة» كبند منفصل في البيان الرسمي.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الأثر يمتد أيضًا إلى نمو الصادرات المصرية، موضحًا أنه إذا استمر معدل نمو الصادرات الحالي البالغ 34.5% بين 2024 و2025 بفعل التسهيلات الإضافية، فمن الواقعي توقع أن تتجاوز الصادرات المصرية إلى روسيا حاجز المليار دولار خلال عامين، خصوصًا مع تسجيل 613 مليون دولار في الأشهر السبعة الأولى فقط من 2026.
السيارات والمعدات الطبية والروبوتات أبرز المستفيدين
وأوضح جلال أن نائب وزير الصناعة والتجارة الروسي حدد بنفسه نطاق القطاعات التي تحظى فيها التكنولوجيا الروسية بطلب في مصر، وتشمل الهندسة الميكانيكية، وتصنيع المروحيات، وصناعة السيارات، والمعدات الطبية، والتعبئة والتغليف، والروبوتات الصناعية.
وأشار إلى أن قطاع السيارات يصب في مسار التصنيع المحلي وتوطين قطع الغيار، ويتقاطع مع المنطقة الصناعية الروسية في بورسعيد، التي كانت مصممة أصلًا لتشمل صناعة السيارات ضمن استثمارات تقدر بنحو 6.9 مليار دولار.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن المعدات الطبية تمثل قطاعًا حيويًا لمصر في ظل التوسع في التأمين الصحي الشامل، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الاستيراد من أوروبا وآسيا بأسعار أعلى، بينما تعد الروبوتات الصناعية الأكثر استراتيجية على المدى الطويل، لأنها ترفع إنتاجية المصانع القائمة في مجمع قناة السويس، بدلًا من الاقتصار على توريد السلع النهائية.
المنطقة الصناعية الروسية تشمل قطاعات أوسع
ولفت جلال إلى أن اللافت أن قطاعات المنطقة الصناعية الروسية نفسها أوسع مما تشير إليه المباحثات الأخيرة، إذ شملت في مراحل سابقة البتروكيماويات والأدوية والأغذية والمنسوجات والتكنولوجيا والسكك الحديدية ومواد البناء.
وأوضح أن هذا يعني أن نطاق التعاون المحتمل لا يتوقف عند القطاعات التي جرى التركيز عليها في المباحثات الأخيرة، وإنما يمتد إلى مجموعة أوسع من الصناعات، بما يدعم التصنيع ونقل التكنولوجيا والخبرات إلى السوق المصرية.
تبسيط التجارة يحفز الاستثمارات الروسية
وأكد الخبير الاقتصادي أن هذه الخطوات تفتح الباب لاستثمارات روسية أوسع، لسببين مرتبطين بالبيانات والتوجهات المعلنة، موضحًا أن البيان الرسمي نفسه ربط تبسيط التجارة باتفاقية التجارة الحرة، وأشار إلى مناقشة تطبيق أنظمة تفضيلية للمستثمرين الروس، سواء داخل المنطقة الصناعية الروسية في مصر أو خارجها، وهو ما يمثل تحولًا من مجرد «تسهيل تجاري» إلى «تحفيز استثماري» مباشر.
وأوضح جلال أن المنطقة الصناعية الروسية ذاتها تسمح ببيع ما يصل إلى 100% من المنتجات المصنعة فيها في السوق المصرية، معتبرًا أن ذلك يمثل حافزًا جوهريًا يجعل الرقمنة الجمركية شرطًا تكامليًا وليس رفاهية، لأن أي مصنع روسي يبيع محليًا سيحتاج إلى تخليص جمركي سريع لمدخلاته المستوردة.
وأشار إلى أن وزير الاستثمار المصري سبق أن أشار إلى أن اللقاءات تناولت تسريع التعاون المرتبط بالمنطقة الصناعية الروسية بما يسهم في جذب مزيد من الاستثمارات الروسية وتعزيز التصنيع ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
التجارة قصيرة المدى والاستثمار طويل المدى
وقال جلال إن الخلاصة أن الخطوة تحمل طابعًا مزدوجًا، يتمثل الأول في جانب تجاري قصير المدى من خلال تسريع تدفق البضائع وخفض التكلفة، بينما يتمثل الثاني في جانب استثماري طويل المدى من خلال تعميق التوطين الصناعي الروسي في مصر.
وأكد الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي أن الرقم الحاسم الذي سيكشف مدى نجاح هذا المسار خلال 2027 هو ما إذا كانت الصادرات المصرية إلى روسيا ستقترب من عتبة المليار دولار، إلى جانب ما إذا كان سيتم الإعلان عن أسماء شركات روسية فعلية دخلت حيز الإنتاج في المنطقة الصناعية، بدلًا من بقائها في طور «الدراسة» الذي استمر لسنوات.
أقرأ أيضا..محمد عبد الهادي لـ«الحرية»: الصادرات الرقمية تعزز موارد مصر الدولارية وتدعم استقرار الاقتصاد






















