التعليم ليس مجرد نسب نجاح تعلن في نهاية العام الدراسي ولا أرقام تنسيق يعتمدها المحافظ وإنما هو المؤشر الحقيقي على كفاءة الإدارة وقدرتها على بناء الإنسان والاستثمار في المستقبل. وعندما تتراجع مؤشرات التعليم عاما بعد عام فإن ذلك لا يعكس أزمة لدى الطلاب بقدر ما يكشف عن أزمة في إدارة المنظومة التعليمية وسياساتها وقدرتها على تحقيق نتائج أفضل. ومن هنا فإن قراءة نتائج التعليم في أسيوط هذا العام تفرض على الجميع وقفة جادة لأن الأرقام لا تحمل مؤشرات إيجابية وإنما تكشف عن تراجع واضح يستوجب المراجعة والمحاسبة.
الأرقام الرسمية تؤكد أن عدد المتقدمين لامتحانات الشهادة الإعدادية هذا العام بلغ 79127 طالبا وطالبة نجح منهم 58311 طالبا فقط بنسبة نجاح بلغت 73.64 بالمائة بينما لم ينجح أكثر من 20800 طالب في الدور الأول. والأخطر أن هذه النسبة جاءت أقل من العام الماضي الذي سجل نحو 78.9 بالمائة بما يعني انخفاضا يتجاوز خمس نقاط مئوية خلال عام واحد فقط. وفي علم تقييم الأداء فإن التراجع بهذا الحجم خلال فترة زمنية قصيرة لا يعد تغيرا عاديا وإنما يمثل مؤشرا واضحا على وجود خلل في المنظومة التعليمية يستوجب الوقوف أمام أسبابه الحقيقية بدلا من الاكتفاء بإعلان النتائج.
ورغم هذا التراجع في نسب النجاح اعتمدت المحافظة الحد الأدنى للقبول بالثانوي العام عند 228 درجة وهو من أعلى الحدود خلال السنوات الأخيرة. وهذا يكشف أن الأزمة لا تقتصر على انخفاض مستوى التحصيل الدراسي وإنما تمتد إلى محدودية الطاقة الاستيعابية لمدارس التعليم الثانوي العام. فبدلا من أن يكون التنسيق انعكاسا لمستوى الطلاب أصبح في جانب كبير منه انعكاسا لعدم كفاية عدد المدارس والفصول القادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب وهو ما يدفع أعدادا كبيرة إلى التعليم الفني ليس باعتباره اختيارا حرا وإنما نتيجة لضيق الفرص المتاحة.
هذه المؤشرات تكشف أن المنظومة التعليمية في أسيوط لم تحقق تقدما في أهم معيارين لقياس الأداء وهما رفع مستوى التحصيل الدراسي والتوسع في استيعاب الطلاب بالتعليم الثانوي العام. فلا نسب النجاح شهدت تحسنا ولا الطاقة الاستيعابية تطورت بما يتناسب مع الزيادة السكانية ولا الكثافات داخل المدارس وصلت إلى المستويات المستهدفة. وعندما تتراجع هذه المؤشرات مجتمعة يصبح من الصعب الحديث عن نجاح إداري لأن الإدارة تقاس بنتائجها لا بعدد الاجتماعات أو التصريحات أو البيانات الإعلامية.
ولا يمكن تحميل الطلاب أو أولياء الأمور مسؤولية هذا التراجع لأن مسؤولية الإدارة التعليمية تبدأ من تطوير المدارس وتأهيل المعلمين ومتابعة الأداء داخل الفصول ومعالجة ضعف التحصيل الدراسي وقياس نتائج الخطط بصورة مستمرة. وإذا كانت المؤشرات تسير في الاتجاه المعاكس فإن ذلك يفرض مراجعة شاملة للسياسات التي أدير بها هذا الملف خلال السنوات الماضية وتقييما حقيقيا لكفاءة القيادات المسؤولة عن التعليم في المحافظة.
إن أسيوط التي تضم ما يزيد على خمسة ملايين مواطن لا تستحق أن يظل ملف التعليم فيها يدار بمنطق إدارة الأزمة بدلا من صناعة النجاح. فالمطلوب ليس فقط إعلان نسب النجاح أو اعتماد درجات التنسيق وإنما بناء خطة واضحة تستهدف رفع مستوى التحصيل الدراسي والتوسع في إنشاء المدارس الثانوية وخفض الكثافات وتطوير التعليم الفني وربطه باحتياجات سوق العمل مع وضع مؤشرات أداء معلنة ومحاسبة المسؤولين على أساسها. فالتعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل المحافظة وأي تراجع في مؤشراته هو في النهاية تراجع في فرص التنمية والعدالة الاجتماعية وبناء الإنسان.





















