قررت وزارة التربية والتعليم الاستعانة بـ معلمي الحصة لتدريس مادة التربية الدينية، وهو القرار الذي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط التربوية، في خطوة جديدة لسد العجز الكبير في أعداد المعلمين داخل المدارس.
وأكد الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس والخبير التربوي، في تصريح خاص لـ”الحرية”، أن قرار الاستعانة بمعلمي الحصة يأتي في ظل عجز واضح داخل المنظومة التعليمية في بعض المواد الأساسية.

ويشير دكتور علم النفس إلى أن المشكلة لم تعد قاصرة على مادة واحدة، بل تمتد إلى مواد أخرى يتم استحداثها دون توفير كوادر مؤهلة لتدريسها بالشكل المطلوب.
وأضاف “شوقي” أن النظام التعليمي الحالي «يختلق مواد جديدة يعاني من عجز في معلميها، فيتم اللجوء إلى معلمين تنقصهم الخبرة أو الكفاءة في بعض الأحيان»، مؤكدًا أن هذا التوجه يؤدي في المقابل إلى تهميش مواد مهمة مثل اللغة الأجنبية الثانية، والفلسفة، وعلم النفس، والجغرافيا، والأحياء.
ورغم توافر أعداد كبيرة من المعلمين المؤهلين لتدريسها، ما يجعلهم «قوة عمل غير فاعلة» داخل المنظومة.
الفرق بين معلمي الحصة ومعلم التعيين
وشدد الخبير التربوي على أن المعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية، فهو الجندي الحقيقي في ميدان التعليم، الذي بيده تُبنى العقول وتتأسس القيم.
وقال: “لا يمكن الحديث عن تطوير حقيقي للتعليم دون إشراك المعلم في كل القرارات المصيرية المتعلقة بالمنظومة، فهو الأدرى بالتحديات الواقعية داخل الفصول الدراسية”.
أزمة العجز في المعلمين تتفاقم
وأكمل الخبير أنه منذ توقف تعيين خريجي كليات التربية قبل سنوات، تفاقمت أزمة العجز في المعلمين لتصبح من أبرز العقبات أمام تطوير التعليم.
كما تشير الإحصاءات إلى أن حجم العجز الحالي يبلغ نحو 460 ألف معلم، وهو رقم ضخم يعكس حجم الفجوة بين احتياجات المدارس وعدد العاملين الفعليين بها.
ومع تولي الدكتور محمد عبداللطيف حقيبة وزارة التربية والتعليم، اتخذ الوزير خطوات جادة لإعادة الطلاب إلى المدارس ومحاربة ظاهرة الغياب، وكان من أبرز أدواته في ذلك خفض كثافة الفصول إلى أقل من 50 طالبًا، وهو القرار الذي ساهم في تحسين البيئة التعليمية من ناحية.
ولكنه في الوقت نفسه زاد من حدة العجز بعدد المعلمين، إذ أدى إلى زيادة عدد الفصول الدراسية، ليرتفع العجز من 460 ألف إلى ما يقارب 660 ألف معلم.
«معلمي الحصة».. حل مؤقت لا يُغني عن التعيين
وفي مواجهة هذا النقص الكبير، لجأت الوزارة إلى آلية التعاقد مع معلمي الحصة، باعتبارها أحد الحلول المؤقتة لمعالجة الأزمة، خاصة في المواد التي تعاني من نقص حاد في الكوادر مثل التربية الدينية وبعض المواد الأدبية والفنية.
وتُعد هذه الخطوة أشبه بـ«المسكّن» للمشكلة، كما وصفها الدكتور شوقي، موضحًا أن معلمي الحصة لا يخضعون لنفس القيود أو الالتزامات الإدارية المفروضة على المعلمين المعينين رسميًا، فهم غير ملزمين بوضع الامتحانات أو رصد الدرجات، كما أن الوزارة أتاحت لمديري المدارس حرية التعاقد معهم بشكل مؤقت وفق الاحتياج.
وأشار الخبير إلى أن هذا النوع من التعاقد يجعل من الصعب ضمان الاستقرار والانضباط في العملية التعليمية، لأن بعض معلمي الحصة قد لا يلتزمون بالجداول الدراسية بدقة، أو يتركون المدرسة في أي وقت، الأمر الذي يخلق فجوة في استمرارية العملية التعليمية ويؤثر على الطلاب سلبًا.

تأثير القرار على مسار المواد الأدبية
وأوضح الدكتور شوقي أن الاستعانة بمعلمي الحصة يتركز بشكل خاص في مسار الآداب والفنون في الصف الثاني الثانوي، حيث تُدرّس بعض المواد كمقررات اختيارية مثل علم النفس واللغة الأجنبيةالثانية، بينما تُلغى أو تُهمّش في الصف الأول باعتبارها «خارج المجموع»، مما يقلل من قيمتها التعليمية في نظر الطلاب.
مضيفاً أن هذا التوجه يؤدي إلى تهميش المواد الإضافية التي تشكل ركيزة أساسية في بناء شخصية الطالب، لافتًا إلى أن تجاهل تدريس اللغة الأجنبية الثانية مثل الألمانية أو الفرنسية، وعلم النفس والفلسفة، لا يؤثر فقط على الجانب الأكاديمي، بل يمتد أثره إلى قطاعات مختلفة من الدولة.
خسائر تمتد إلى قطاعات الدولة المختلفة
وحذر شوقي من أن تهميش هذه المواد سينعكس سلبًا على العديد من القطاعات الحيوية مثل السياحة، والإعلام، والعلاقات الخارجية، مؤكدًا أن مصر بحاجة إلى كوادر تتقن لغات متعددة للتواصل مع العالم الخارجي، خصوصًا أن البلاد تستقبل سنويًا ملايين الزوار الأجانب الذين يتحدثون لغات مختلفة.
وقال الخبير: «نحن في المعتات نحتاج إلى خريجي كليات اللغات والترجمة في مجالات متعددة، من العمل الدبلوماسي إلى الإعلام والسياحة، تهميش تدريس اللغات الأجنبية يعني أننا نفقد جزءًا مهمًا من القدرة على التواصل الخارجي، وهو أمر لا يليق بدولة بحجم مصر».
كما لفت إلى أن العديد من الكليات مثل الحقوق والاقتصاد والعلوم السياسية تتضمن برامج دراسية تعتمد على إتقان اللغات الأجنبية، وبالتالي فإن إضعاف تدريس هذه المواد في مرحلة الثانوية ينعكس سلبًا على تأهيل الطلاب لهذه التخصصات مستقبلاً.

إقرأ أيضًا.. خطوات وشروط مد الخدمة للمعلمين المحالين على المعاش بالتربية والتعليم
علم النفس.. ضرورة تربوية ومجتمعية
واختتم شوقي حديثه بالتأكيد على أهمية مادة علم النفس في الوقت الراهن، خاصة مع تزايد ظواهر العنف المدرسي والتنمر بين الطلاب.
وقال: «تدريس علم النفس ليس رفاهية، بل ضرورة لفهم سلوك الطلاب والتعامل مع مشكلاتهم بوعي تربوي».
وأشار إلى أن إهمال هذه المادة أو إسنادها إلى معلمين غير متخصصين يفرغها من مضمونها، ويؤثر على تربية الأجيال القادمة.
نرشح لك: كيف تمثل الامتحانات الشهرية محطة قلق للأسرة؟.. خبيرة توضح لـ”الحرية” طرق التغلب عليها





















