في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، لا نحتفل باللغة العربية بوصفها أداة تواصل فحسب، بل بوصفها ذاكرة أمة، وخزان وعيها، ومجال تشكّل رؤيتها للعالم.
فاللغة ليست كلماتٍ تُنطق، بل منظومة قيم، ووعاء فكر، وهويةٌ تتعرّض اليوم لاختبارات قاسية في ظل ما يُسمّى بالغزو الفكري والثقافي.
لقد أدركت القوى المهيمنة قديمًا وحديثًا أن السيطرة الحقيقية لا تبدأ باحتلال الأرض، بل باحتلال العقل.
ومن هنا كانت اللغة العربية في قلب الاستهداف؛ تهميشًا في التعليم، وتشويهًا في الإعلام، واستخفافًا بها في الفضاء الرقمي، حتى بدا لبعض الأجيال أن الفصاحة ترف، وأن العامية الهشّة أو اللغة الأجنبية علامة “تحضّر”.
غير أن أخطر ما في الغزو الثقافي ليس فرض لغةٍ أخرى، بل تفريغ لغتنا من معناها، وتحويلها إلى قشرة بلا روح، تُستعمل دون أن تُنتج وعيًا، أو تُعبّر عن ذاتٍ مستقلة.
فحين تنفصل اللغة عن الفكر، وعن القيم التي صاغتها، يصبح المجتمع سهل الاختراق، هشّ الهوية، قابلًا للاستلاب.
إن الحفاظ على اللغة العربية لا يكون بالشعارات ولا بالمناسبات الاحتفالية وحدها، بل بمشروعٍ ثقافيٍّ متكامل يبدأ من التعليم، حيث يجب أن تُدرَّس العربية بوصفها لغة حياة وإبداع، لا مادة جامدة للحفظ.
ويستمر في الإعلام، الذي عليه مسؤولية أخلاقية في تقديم لغة رصينة دون تعالٍ أو تصنّع، قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر.
كما أن للمبدعين والمثقفين دورًا محوريًا في مقاومة هذا الغزو، عبر تجديد الخطاب اللغوي دون تفريط في جوهره، وإثبات أن العربية قادرة على استيعاب الحداثة، والتعبير عن أعقد الأسئلة الفلسفية والعلمية والجمالية.
فاللغة التي أنجبت الشعر الجاهلي، والفلسفة، وعلوم الطب والفلك، ليست عاجزة اليوم، وإنما المُقَصِّر هم أبناؤها.
ولا يقل الفضاء الرقمي أهمية عن غيره، إذ أصبح ساحة مركزية للصراع الثقافي. وهنا تتجلى الحاجة إلى حضور عربي واعٍ، يكتب بلغة سليمة، جذابة، متحررة من الضعف والابتذال، دون انغلاق أو تعصّب.
فالدفاع عن العربية لا يعني معاداة اللغات الأخرى، بل حماية حقنا في أن نكون أنفسنا بلغتنا.
في اليوم العالمي للغة العربية، نحن مدعوون إلى وقفة مراجعة:
- هل نستخدم لغتنا بوعي؟
- هل نعلّم أبناءنا حبّها لا الخوف منها؟
- هل ندرك أن التفريط في اللغة هو تفريط في الذاكرة والهوية والمستقبل؟
إن معركة اللغة العربية اليوم ليست معركة حروف، بل معركة وعي.
ومن يحسن حراسة لغته، يحسن حراسة وجوده في عالمٍ لا يعترف إلا بمن يملك صوته الخاص، ويكتب تاريخه بلغته، لا بلغة الآخرين.





















