تلقيت رسالة من صديقي السفير ماجد عبد الفتاح، الدبلوماسي المرموق ، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمستشار الخاص السابق للأمين العام لشؤون أفريقيا… يدعوني فيها إلى متابعة المناظرة المفتوحة بين المرشحين والمرشحات لمنصب الأمين العام القادم للأمم المتحدة.
أثار الأمر فضولي.
خمسة مرشحين يجلسون أمام العالم، يعرض كل منهم رؤيته لمستقبل المنظمة الدولية، ويجيب عن الأسئلة، ويحاول أن يقنع جمهورًا يتابعه عبر الشاشات بأنه الأقدر على قيادة أهم منظمة سياسية دولية في العالم.
المشهد، في ظاهره، ديمقراطي بامتياز.
شفافية، ومناظرة، ومرشحون، وأسئلة، وجمهور عالمي يتابع.
ولكن السؤال الذي خطر لي فورًا كان أكثر بساطة وربما أكثر إزعاجًا:
هل ستختار هذه المناظرة فعلًا الأمين العام القادم للأمم المتحدة؟
الإجابة، بالطبع، لا.
فالأمين العام لا يُنتخب مباشرة من شعوب العالم، ولا تختاره الجمعية العامة بحرية كاملة، ولا تحسم المناظرات العامة مصيره. فوفق ميثاق الأمم المتحدة، تعيّن الجمعية العامة الأمين العام بناءً على توصية من مجلس الأمن.
وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.
ففي مجلس الأمن خمس دول دائمة العضوية تملك حق النقض: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة. ويعني ذلك عمليًا أن الطريق إلى مكتب الأمين العام يمر عبر بوابة ضيقة لا يستطيع أي مرشح عبورها إذا قررت إحدى القوى الكبرى إغلاقها أمامه.
قد يكون المرشح الأكثر كفاءة.
وقد يكون الأكثر خبرة.
وقد يقدم أفضل رؤية.
وقد يكسب إعجاب العالم في مناظرة علنية.
ثم يسقط خلف باب مغلق لأن دولة كبرى لا تريده.
وهنا تصبح المناظرة مثيرة للاهتمام، لا لأنها بالضرورة ستحدد الفائز، بل لأنها تكشف مفارقة أعمق في النظام السياسي الدولي:
ديمقراطية أمام الكاميرات… وقوة محركة خلف الأبواب.
لكن هل هذه المفارقة خاصة بالأمم المتحدة؟
أخشى أنها أصبحت، بدرجات مختلفة، صورة مصغرة لما يحدث في أجزاء كثيرة من عالمنا.
سيجلس المرشحون أمام العالم.
وسيتحدثون عن السلام، والتنمية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي، وإصلاح المنظمة.
وسنستمع إليهم باهتمام.
ولكن في مكان آخر ستجري الحسابات الأكثر تأثيرًا.
ماذا تريد واشنطن؟
وماذا تقبل موسكو؟
ومن تستطيع بكين التعايش معه؟
ومن لا تعترض عليه لندن أو باريس؟
وما التوازن المطلوب بين الشمال والجنوب؟
إذا كانت المنظمة التي يفترض أنها تمثل أمم العالم لا تستطيع اختيار أمينها العام إلا بعد توافق القوى الخمس التي خرجت منتصرة من حرب انتهت منذ أكثر من ثمانين عامًا، فإلى أي مدى يمثل النظام الدولي عالم اليوم فعلًا؟
لقد تغير العالم.
ظهرت قوى جديدة.
وازداد عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عدة أضعاف منذ تأسيسها.
وتغير الاقتصاد العالمي.
وتغير توزيع السكان.
وتغيرت التكنولوجيا.
لكن بنية القوة الأساسية في النظام الدولي ما زالت تحمل بصمة عام 1945.
وهنا تبدو المفارقة واضحة:
نطالب الدول بالديمقراطية داخل حدودها، بينما النظام الذي يدير العلاقات بين هذه الدول ليس ديمقراطيًا بالمعنى نفسه.
الدولة الصغيرة والدولة التي تضم أكثر من مليار إنسان تتساويان في صوت داخل الجمعية العامة، لكن قرارات القوة الحقيقية تبقى في يد عدد محدود من الدول داخل مجلس الأمن.
إنها ديمقراطية بين الأمم حينًا، وأرستقراطية للقوة حينًا آخر.
ربما تكون المشكلة أننا اعتدنا أن ننظر إلى الديمقراطية باعتبارها مجموعة إجراءات، بينما هي في الحقيقة فلسفة لتوزيع القوة.
والسؤال الأساسي في أي نظام سياسي ليس فقط:
من يصوت؟
بل:
من يملك القدرة الحقيقية على القرار؟
من يستطيع أن يقول لا؟
من يستطيع أن يغير القواعد؟
ومن يستطيع أن يبقى في موقعه حتى لو أراد الآخرون تغييره؟
هذه الأسئلة تصلح للدولة كما تصلح للعالم.
وتصلح للبرلمان كما تصلح لمجلس الأمن.
وتصلح للانتخابات الوطنية كما تصلح لاختيار الأمين العام للأمم المتحدة.
لا أكتب هذا لأقول إن الديمقراطية وهم.
على العكس.
أعتقد أنها لا تزال أفضل ما توصل إليه الإنسان لإدارة الاختلاف وتداول السلطة وتصحيح الأخطاء دون عنف.
لكن الدفاع الحقيقي عن الديمقراطية لا يكون بتحويلها إلى عقيدة مقدسة لا يجوز نقدها.
بل بمراجعتها باستمرار.
فالديمقراطية التي لا تستطيع أن تنتقد نفسها تتحول هي الأخرى إلى أيديولوجيا.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس فقط:
هل نحن دول ديمقراطية؟
بل:
هل ما زالت الديمقراطية، بصورتها التي تشكلت في القرنين التاسع عشر والعشرين، قادرة على التعامل مع عالم القرن الحادي والعشرين؟
عالم الشركات العملاقة العابرة للحدود.
والذكاء الاصطناعي.
والخوارزميات التي تعرف عن المواطن أكثر مما يعرف السياسي عنه.
والثروات التي تستطيع التأثير في الرأي العام.
والمنصات التي تستطيع أن تجعل خبرًا كاذبًا يصل إلى مائة مليون إنسان قبل أن تتمكن الحقيقة من ارتداء حذائها.
سأتابع مناظرة اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة.
سأستمع إلى المرشحين.
وسأحاول أن أعرف من أقنعني أكثر.
لكنني سأعرف، وأنا أشاهد، أن هناك مناظرة أخرى لا تبثها الكاميرات.
مناظرة المصالح والقوة والتوازنات.
وهي ليست بالضرورة شرًا في ذاتها؛ فالسياسة كانت دائمًا إدارةً للمصالح والقوة.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح المسافة بين ما يراه الناس وما يحدد مصيرهم أكبر من اللازم.
عندها تفقد المؤسسات ثقة الناس.
وتصبح الديمقراطية عرضًا جيد الإخراج، بينما تُكتب النهاية في غرفة أخرى.
وربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق أن نبدأ منه نقاشًا أوسع:
هل أزمة الديمقراطية اليوم هي أزمة في الفكرة نفسها، أم في المسافة المتزايدة بين شكلها ومضمونها؟
وهل تستطيع الديمقراطية أن تجدد نفسها قبل أن يفقد الناس ثقتهم فيها؟
ثم يأتي السؤال الأصعب، الذي يخصنا نحن في العالم النامي:
هل الديمقراطية نموذج واحد صالح للتطبيق بالطريقة نفسها في كل المجتمعات، أم أنها فلسفة إنسانية عامة تحتاج في كل مجتمع إلى مؤسسات وثقافة ومرحلة تطور تسمح لها بأن تصبح ممارسة حقيقية، لا مجرد مشهد أمام الكاميرات؟

















