منذ عقود، تُقدّم إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة، والضفة الغربية، وسوريا، وأخيرًا في العمق الإيراني، تحت لافتة مألوفة: “حق الدفاع عن النفس”.
لكن هذا المفهوم، الذي يُفترض أنه ركيزة القانون الدولي، تحوّل في الحالة الإسرائيلية إلى مظلة تُغطّي كل أشكال الاستخدام المفرط للقوة، وتُضفي شرعية زائفة على سياسة ممنهجة للهجوم والتوسع والهيمنة.
الدفاع المشروع.. أم الحرب الوقائية؟
تميّز الأدبيات القانونية بوضوح بين نوعين من الضربات العسكرية:
الضربة الاستباقية (Preemptive strike):
وتُنفّذ عندما يكون هناك تهديد وشيك وفعلي، ولا يمكن دفعه إلا باستخدام القوة فورًا. هذا النوع يُمكن تبريره قانونيًا ضمن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، بشرط أن يكون الرد ضروريًا ومتوازنًا.
الضربة الوقائية (Preventive strike):
وهي هجوم استباقي ضد احتمال تهديد مستقبلي، لم يتحقق بعد. القانون الدولي لا يعترف بهذا النوع، ويُصنّفه ضمن العدوان أو “الحرب الوقائية غير المشروعة”.
وبهذا المعنى، فإن معظم العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تُبرّر بذريعة “منع تهديد مستقبلي” – سواء في سوريا أو ضد البنية النووية الإيرانية أو حتى ضد مقاومين فلسطينيين – تقع قانونيًا تحت تصنيف الضربة الوقائية العدوانية، التي تُخالف أحكام القانون الدولي الإنساني.
ميزان مقلوب
- في غزة، تُقصف البيوت فوق ساكنيها، وتُستهدف المدارس والمستشفيات ومساجد وكنائس… ثم يأتي التبرير: “كان هناك عنصر مسلح مختبئ”.
- في الضفة الغربية، تُنفّذ عمليات اغتيال يومية، بحجة منع “تهديد محتمل”.
- في سوريا، تُقصف قوافل ومواقع بعيدة عن أي جبهة مباشرة.
وكل هذا يُغلف بخطاب: “الدفاع المشروع”.
لكن الحقيقة أن هذا المفهوم، كما يُمارَس إسرائيليًا، لم يعد يعني الدفاع، بل الهيمنة، ولم يعد يعني الرد، بل المبادرة بالعدوان.
القانون بين النص والتطبيق
النظام القانوني الدولي لا يُجرّم القوة فحسب، بل يُلزم بضوابطها. المشكلة اليوم ليست فقط في النص، بل في التطبيق. فإسرائيل تستند إلى تحالفات سياسية تمنحها حصانة ضد المساءلة، لا سيما من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) الأمريكي في مجلس الأمن.
وهكذا، تُفرغ المادة 51 من محتواها، وتتحوّل إلى رخصة مفتوحة، تستخدمها دولة تحتل شعبًا، وتضرب دولًا ذات سيادة، وتتحصن بخطاب أمني لا يخضع لأي مراجعة حقيقية
الخلاصة: الدفاع أصبح هجومًا شرعيًا
إذا كانت كل ضربة تُوصف بأنها “دفاعية”، وكل قصف بأنه “استباقي”، فلماذا وُضع القانون أصلًا؟
هل المطلوب أن تصمت الشعوب، وتستسلم تحت القصف، حتى لا تُتَّهم بـ”الإرهاب”؟
ومتى يُعاد تعريف الدفاع عن النفس بما يتسق مع جوهر العدالة، لا توازنات القوة؟
العالم اليوم أمام اختبار أخلاقي وقانوني:
- إما أن يكون القانون الدولي معيارًا يُحتكم إليه، أو يصبح أداة انتقائية تُستعمل حسب الجهة الفاعلة.
- أما نحن، فمطلوب منّا ألا نبلع هذا الطُعم القانوني المسموم… وأن نسأل دائمًا: هل حقًا كان ذلك دفاعًا؟ أم عدوانًا بغلاف قانوني؟




















