كنت قد تابعت العام الماضي مفارقة غريبة؛ الحكومة ترسل قانون الإجراءات الجنائية، ويوافق البرلمان عليه، وتضيع أصوات أفراد معترضة وسط أغلبية توافق الحكومة على طول الخط، وكأنها امتداد للسلطة التنفيذية، وليست سلطة الرقابة والمحاسبة.
المفارقة أن رئيس الجمهورية أعاد القانون إلى المجلس، تأييدًا لكثير مما قاله بعض نواب المعارضة.
ثم تابعتُ اليوم، وللعجب، بعد عام كامل، ما دار تحت قبة البرلمان باهتمامٍ وأسفٍ وحزن.
وقرأت لصديق لي، واستمعت لرأي اثنين من أعضاء البرلمان، ما جعلني أكتب:
قبل ساعاتٍ من الموعد المقرر لبدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، وافق مجلس النواب نهائيًا، في جلسته غير العادية يوم الثلاثين من سبتمبر، قبل يوم واحد من افتتاح العام التشريعي، على إرجاء نفاذ القانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ عامًا كاملًا، من الأول من أكتوبر ٢٠٢٦ إلى الأول من أكتوبر ٢٠٢٧.
ولم يمسّ المجلس جوهر القانون بكلمة، واكتفى بتغيير تاريخٍ تطبيقه في مادته السادسة.
لم تكن مفاجأتي في التأجيل وحده، بل في توقيته. فالقانون صدر في نوفمبر الماضي، وكان إرجاء نفاذه قرابة عام مبررًا أصلًا بالحاجة إلى التدريب والتجهيز. ثم بلغنا الليلة السابقة للتطبيق لنكتشف أن عامًا لم يكن كافيًا، وأن الدولة تحتاج عامًا آخر.
وهذا يطرح ما هو أخطر من الاستعداد التقني ومن يتحمل مسؤولية اكتشاف العجز في الساعات الأخيرة، بينما عرفت مؤسسات الدولة موعد النفاذ منذ عام كامل؟
انا مستاء أن يتحول ضعف الاستعداد الإداري إلى مبرر لتأجيل حقوقٍ لا علاقة لها بالتكنولوجيا أصلًا.
فإن لم تكتمل منصة الإعلان الإلكتروني، فليؤجَّل ما يتصل بها. وإن لم تُجهَّز قاعات الاتصال المرئي، فليؤجَّل ما يحتاج إليها. أما أن ينتظر القانون كله عامًا، فذلك اختيار تشريعي كانت له بدائل أدق وأعدل.
غير أن التحدي عندي أعمق من موعد التطبيق. فالقانون في صورته الحالية يحتاج إلى مراجعة حقيقية، لا إلى تغيير تاريخ.
هذا ليس قانون مرور ولا جمارك، بل القانون الذي يحكم أخطر لحظات العلاقة بين الدولة والمواطن: القبض والتفتيش والتحقيق والحبس والإفراج والدفاع والمحاكمة.
إنه، بالمعنى العملي، الدستور اليومي للحرية الشخصية.
والدستور المصري واضح في أن الحرية الشخصية حق طبيعي مصون، وأن سيادة القانون أساس الحكم، وأن حق الدفاع والمحاكمة العادلة ضمانات لا تُختزل في ترتيبات إدارية. ولذا لا تُقاس قيمة هذا القانون بمدى راحته لأجهزة السلطة، بل بما يضعه من ضمانات بينها وبين الإنسان.
وأول مواطن الخلل أن النيابة العامة ما زالت تجمع بين التحقيق والاتهام والتصرف في الدعوى. وإصلاحها لا يعني إضعافها، بل إعادتها إلى فلسفة وجودها بوصفها «محامي الشعب» و«الخصم الشريف» الذي يبحث عن الحقيقة لا عن الإدانة.
ويقتضي ذلك توسيع دور قاضي التحقيق في القضايا الجسيمة، حتى تتضح المسافة بين من يبني الاتهام ومن يختبر أدلته.
ثم تأتي مواضع أخرى تتسع فيها السلطة وتضيق الرقابة.
أولها مراقبة الاتصالات وتسجيل الأحاديث في الأماكن الخاصة، بصلاحيات واسعة في بعض جنايات أمن الدولة، وكلما اقتربت الدولة من خصوصية الإنسان ازدادت الحاجة إلى رقابة قضائية مستقلة.
وثانيها استجواب المتهم بواسطة مأمور الضبط استثناءً «إذا خيف فوات الوقت»، وخبرتنا تقول إن أخطر الاستثناءات هي التي تتحول إلى أبواب خلفية.
وثالثها اتساع دائرة أصحاب الضبطية القضائية دون اتساعٍ موازٍ للمحاسبة.
وفي حق الدفاع، يجعل القانون حضور المحامي أصلًا في الاستجواب، وهذه ضمانة تُسجَّل له. لكنه يُبقي استثناءات تقيّد اطلاع الدفاع على التحقيق، والمحامي الذي لا يرى الملف كاملًا يتحسس طريقه في الظلام. وحماية الشاهد مجهول الهوية ضرورة، شرط ألا تهدم حق المتهم في مواجهة الدليل الذي قد يسلبه حريته.
وفي البطلان، فإن سقوط بعض أوجهه لمجرد أن الدفاع لم يُثرها في توقيت معين يخلط بين عيبٍ شكلي يُصلَح وانتهاكٍ لضمانة دستورية لا يجوز أن يطهّره الصمت الإجرائي. أما المنع من السفر، لمدة سنة قابلة للتجديد، فهو قيد على حرية الحركة، ويجب ألا يصبح عقوبة تسبق الحكم.
لكن الجرح الأعمق والمؤلم في رأيي ، هو الحبس الاحتياطي.
صحيح أن القانون يقلّص بعض حدوده ويوسّع بدائله، لكنه لا يقلب الفلسفة. فالمادة ١١٤ تقول إن عضو النيابة «يجوز» له أن يستبدل بالحبس أحد سبعة تدابير.
وكلمة «يجوز» هنا فارقة، لأن هناك فرقًا بين نظامٍ يتيح البدائل ونظامٍ يُلزم جهة التحقيق بفحصها وإثبات عدم كفايتها قبل أن تسلب إنسانًا حريته.
الأول يضيف خيارات، والثاني يعيد الحرية إلى موقعها أصلًا ويجعل الحبس استثناءً.
والأخطر والمرعب أن القانون لم يغلق بصورة حاسمة باب «التدوير»: ومعناه أن يقترب محبوس من نهاية مدته، فيجد نفسه في قضية جديدة باتهامات مشابهة، ويبدأ عدادٌ جديد.
رأيت ذلك عشرات المرات ، وعندما يتحول الاستثناء إلى سنوات، يفقد معناه مهما بقي اسمه في القانون.
والإقامة في المسكن، والتردد على قسم الشرطة، وحظر الاتصال بأشخاص بعينهم، وإعادة فحص مدد الحبس، كلها لا تحتاج إلى تكنولوچيا وخوادم. إنها تحتاج إلى قرارٍ وإرادة، وإلى إيمانٍ بأن الحرية لا ينبغي أن تنتظر وصول الكابل الأخير.
لذلك أقول: إذا كانت الدولة قد منحت نفسها عامًا إضافيًا، فليكن عامًا لإصلاح القانون نفسه، لا لاستكمال الشاشات فقط.
فلنعيد فتح النقاش حول سلطات النيابة وقاضي التحقيق، وحق الدفاع، والحياة الخاصة، والضبطية، والمنع من السفر، والشاهد المجهول، والجلسات عن بُعد.
لابد من وضع نصٌّ لا يحتمل المواربة يمنع التدوير، ويجعل فحص بدائل الحبس واجبًا قبل اختياره، لا رخصةً تُستعمل أو تُهمل.
فالعام القادم إما أن يكون عامًا نُصلح فيه فلسفة العدالة، وإما عامًا آخر من الانتظار، ومعنا من ينتظرون خلف الأبواب المغلقة.






















