كل عام يتصدر هذا السؤال المشهد ، هل اتخاذ قرار السلام مع إسرائيل كان صائبا ام خطأً استراتيجيا؟
أري ان هذا الرئيس قد اتخذ قرارا واقعيا مصيريا ومارس السياسة كما يجب ان تكون في ظل ظروف وواقع صعب واستطاع تعظيم مكاسب هذا الشعب جيلا بعد جيل دون اية امكانيات تذكر .
“لولا السادات لبقيت مصر في صراع عسكري مع إسرائيل حتى الآن”
وما قادة هذا الرجل هو تحول تاريخي من رجل استطاع قراءة المشهد الدولي واستنباط المستقبل لعقود طويلة، لقد كان بفطنته ورؤيته مدركا أن استمرار الصراع العسكري مع إسرائيل لن يكون في صالح مصر أو المنطقة على المدى الطويل. وقد اصبح علي يقين أن النصر في الحرب لا يعني نهاية الصراع، بل بداية معركة جديدة لتحقيق الاستقرار والسلام.
فمنذ نكبة 1948 وحتى حرب أكتوبر 1973، كانت مصر في حالة صدام دائم مع إسرائيل. تحت قيادة جمال عبد الناصر، انحازت مصر إلى خيار المواجهة العسكرية والمقاومة المسلحة، لكن الأمور لم تكن تسير لصالحها بسبب الدعم الدولي الهائل الذي كانت تحصل عليه إسرائيل. الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى دعمت إسرائيل بشكل مستمر، ما جعلها تتفوق عسكريًا وتكنولوجيًا. وبقيت مصر رهينة الدعم الروسي الضعيف والمتعنت ، ورغم إرادة الشعب المصري وقوة جيشه، كانت مصر تجد نفسها أمام عدو مدعوم بترسانات ضخمة من الأسلحة الحديثة دون رقيب، في حين أن العرب كانوا يواجهون تحديات لوجستية واقتصادية وعسكرية تجعل من الصعب تحقيق انتصار دائم.
ومازلت ارى ان هذا الامر لو ترك للناصريين الحنجوريين، لربما كنا اليوم لا نزال في دوامة من الصراع العسكري المستمر. ولربما كنا نستنكر الغارات الإسرائيلية على “معسكرات اللاجئين” في قلب القاهرة أو مدينة نصر ولتكررت صفعة يونيو عدة مرات .
إن الإصرار على خيار الحرب دون الاعتراف بالحاجة إلى الدبلوماسية والسياسة كان سيبقي مصر في مواجهة عسكرية مستمرة، تستنزف الموارد وتضعف البلاد اقتصاديًا واجتماعيًا. فالناصرية، رغم شعاراتها الوطنية والمقاومة، لم تقدم حلولًا دبلوماسية فعالة لإنهاء الصراع والدليل ما شهدته وتشهده عواصم عربية قادت حملة التخوين والتشكيك بل ومقاطعة مصر وتجميد عضويتها في جامعة الدول العربية التي أسستها مصر واستضافت مقرها با وقاموا بنقل المقر لتونس في خطوة تعكس ضيق أفق الساسة والقادة العرب.
نعم ، لقد كان قرار السادات بالتوجه نحو السلام خطوة جريئة وغير مسبوقة. كان يعلم أن المعركة الحقيقية هي تأمين السلام والكرامة لمصر وشعبها. حين زار القدس في عام 1977، كان السادات يعرف أن هذا القرار سيثير الجدل والرفض من بعض الأطراف العربية، لكنه كان مقتنعًا أن مصر تحتاج إلى إنهاء هذا الصراع المرير من خلال المفاوضات.
اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، التي أعادت سيناء إلى مصر ووضعت نهاية للحروب مع إسرائيل، لم تكن مجرد اتفاقية سلام بين دولتين. بل كانت تحولًا استراتيجيًا في السياسة المصرية، وضعت حداً لعقود من المواجهة العسكرية وأعطت لمصر فرصة للتركيز على تنميتها الداخلية وبناء قوتها بعيدًا عن استنزاف الحروب.
اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على هذا القرار، يمكننا أن نرى كيف تمكنت مصر من استعادة أراضيها والحفاظ على سيادتها بفضل رؤية السادات، في حين لا تزال دول أخرى في المنطقة عالقة في دوامة الصراعات المسلحة.
تحية لهذا البطل ، تحية لهذا الشهيد، فلولا رؤيتة لربما لم يكن نصف هذا الشعب علي الاقل قد ولد في أرض حرة ومستقلة وذات سيادة
مهندس حسام الدين علي
النائب الأول لرئيس كتلة الحوار ورئيس حكومة الظل





















