بقلم – مجدي عبدالحميد
تستوقفني دائما الجمل المبتورة.. تلك التي تردد على ألسنة البعض وتبدو كأنها حكم سياسية أو نصائح للمواطنين عليهم اتباعها دون الخوض في التفاصيل، والتي تأتي من فرط اختزالها بما يشبه استخدام فقرة «ولا تقربوا الصلاة» كجزء من الآية الكريمة «ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى» وشتان بين المعنيين!!!
ينطبق ذلك تماما على النقاش السياسي الهام الدائر حاليا على استحياء، والذي أعتقد أنه سرعان ما سيتحول إلى موضوع الساعة الرئيسي مع تطور الأحداث والتداعيات المترتبة عليها، حول المقترح الذي يتبناه البعض بالدعوة لمقاطعة الانتخابات الرئاسية باعتبارها غير نزيهة وتفتقد للشفافية ويشوبها عوار كبير، ورفض فريق آخر لتلك المقولة التي يرى أنها تكرس السلبية والحالة الانسحابية التي عليها الشعب بالفعل منذ فترة طويلة، ويشيد من ناحية أخرى بحالة الصحوة الحالية التي خلقت نوع من الحراك «السياسي» في الشارع وأعطت بريق من الأمل في إمكانية التغيير السلمي الديموقراطي.
قبل الخوض في صحة هذا الموقف أو ذاك، من الضروري التوقف بداية عند ذلك السؤال الذي يتم التعامل معه على أنه بديهية، رغم أنه في الحقيقة ليس كذلك، وهو، ما الذي نعنيه بمصطلح المشاركة؟
وما الذي نقصده بعد ذلك بالمقاطعة أو الانسحاب؟
وهل المشاركة السياسية تحديدا هي عمل فردي يقوم به الناس كأفراد لا رابط بينهم حتى وإن كان الهدف واحدا، أم يقصد منها التحركات والفعل الجماعي المنظم؟
مع الأخذ في الاعتبار أن ما يصح قوله على المشاركة في السياسة ينطبق أيضا على مصطلح المقاطعة أو الإحجام عن فعل المشاركة إيجابيا.
وللمزيد من التوضيح نتوقف قليلا عند بعض التعريفات التفصيلية المرتبطة بموضوعنا الرئيسي، مثل المشاركة الإيجابية، والمشاركة السلبية، كذلك مفهوم المشاركة الفردية في مقابل المشاركة الجماعية المنظمة، وأيضا الفرق بين المقاطعة والحالة الانسحابية أو اللامبالية الناتجة عن اليأس وفقدان الاهتمام.
فالمشاركة الإيجابية بشكل عام يعني الانخراط في الأحداث المحيطة بممارسة الأنشطة والإتيان بفعل المشاركة بالرأي قولا وكتابة وبالمجهود وبالأموال وبأي نوع من الأفعال الإيجابية الأخرى مثل التظاهرات السلمية والاعتصامات والإضرابات وغيرها.
في حين يأتي فعل المشاركة السلبية، والذي تعتبر المقاطعة أحد تجلياته، عندما يواجه الناس بصعوبات وتحديات كبيرة تصل إلى حد المنع الكامل والحرمان من المشاركة الإيجابية، وحين يضطرون إلى دفع أثمان باهظة مقابل ممارسة فعل المشاركة الإيجابية بما يجعلهم يشعرون باستحالة ممارستها ويفضلون اختيار طرق وأساليب أخرى أكثر أمنا ومراوغة وربما أقوى تأثيرا أيضا.
نستنتج من ذلك، أن المشاركة والمقاطعة كفعل سياسي لها أبعادها المتعددة، ويحكمها العديد من الاعتبارات والسياقات التي تتخذ فيها هذه الخطوة أو تلك والتي يمكن توضيحها في الآتي:
أولا: درجة تنظيم المواطنين ومستوى استجابتهم لقادتهم والتزامهم بالتعليمات والتوجيهات التي يطلقها هؤلاء القادة.
ثانيا: درجة الوعي ومستوى حساسية الحدث الذي يتم التعامل معه ومدى تأثيره على مجريات الأمور في البلاد وعلي حياتهم بشكل مباشر سواء في التو واللحظة أو مستقبلا.
ثالثا: دلالة الموقف الذي سيتخذونه ودرجة تأثيره الفعلي على مجريات الأمور وقدرته على تغيير الأحداث أو في الحد الأدنى التأثير فيها.
وهنا لا يجب أن يغيب عن بالنا الفارق الكبير، بل والجوهري بين مفهومين غاية في الأهمية:
مفهوم مشاركة الناس في الأحداث المحيطة بهم كأفراد منفصلين عن بعضهم وعن انتمائهم الاجتماعي والفكري والسياسي والذي آتي التعبير عنه، على سبيل المثال بشكل شديد الوضوح، لحظة خروج الناس إلى الشوارع في التاسع من يونيه سنة ١٩٦٧ عقب الهزيمة مباشرة.. ومفهوم المشاركة الجماعية المنظمة الذي تقوم به جماهير لها قيادة وانتماء إلى فئة أو جماعة أو طبقة أو حزب سياسي له أهداف ومطالب محددة، بحيث تأتي تحركاتهم مدروسة وفعالة ولها بداية ونهاية وقدرة على التفاوض والحصول على مكاسب والتأثير في السياسات.
بالطبع تختلف المشاركة بكافة صورها، سواء الإيجابية أو السلبية، عن الحالة الانسحابية الكاملة أو ما يمكن أن نطلق عليه حالة اللامبالاة التي تعكس في الحقيقة الشعور باليأس والإحباط وفقدان الأمل في القدرة على تغيير الأوضاع القائمة.
هناك العديد من الأمثلة التوضيحية لمفاهيم متنوعة للمشاركة الديموقراطية السلمية التي غيرت مجرى التاريخ ومساراته، بعضها كان عن طريق المشاركة الشعبية الإيجابية الفاعلة في صنع التغيير، سواء من خلال التظاهرات السلمية الواسعة في عموم البلاد، أو من خلال صناديق الانتخاب، كما حدث مع كل الثورات والانتفاضات التي أسقطت نظم ديكتاتورية استبدادية فاسدة في كل من أوروبا وأمريكا اللاتينية، وكذلك الانتخابات الديموقراطية التي غيرت من شكل وتوجهات سياسية للكثير من الدول بشكل جذري دون إراقة نقطة دم واحدة.
والبعض الآخر جاء عبر المقاطعة أو ما يطلق عليه المشاركة السلبية والتي حققت العديد من النجاحات الكبرى مثل النضالات التي خاضها الشعب الهندي بقيادة المهاتما غاندي، وكذلك العديد من العصيانات المدنية التي أطاحت بحكومات عسكرية من خلال الجلوس في البيوت وشل الحياة بالكامل في البلاد كشكل من أشكال الاحتجاج العام الشامل والذي لم تصمد تلك الحكومات أمامه أكثر من ٤٨ ساعة، كما حدث مع حكومة عبود في السودان على سبيل المثال.
إن المعني والقصد من وراء ذلك العرض هو محاولة التأكيد على فكرتين:
الأولى: هي أنه لا توجد حقيقة مطلقة واحدة يجب علينا الوقوف عندها والتشبث بها حتى النهاية، فلكل مقام مقال والمواقف تؤخذ حسب كل حالة في كل لحظة.
الثانية: هي إمكانية اتباع تكتيكات مختلفة في نفس المعركة، إذ يكون فعل المشاركة الإيجابية وبكل الطاقة المتاحة والممكنة هو الموقف الصحيح في لحظة ما-، في حين يكون فعل المشاركة السلبية بمقاطعة باقي مراحلها بوعي بصحة ذلك الموقف هو الإجراء الصحيح في تلك المرحلة.
وهو ما يجعلنا نقول إن الحقيقة نسبية وأن ما نعتقد في صحته في ظل توافر مجموعة من الشروط، قد يكون عكسه تماما هو الصواب بعينه في ظل تغير تلك الشروط والمعطيات.
لذلك فإنني أرى ألا لا تكون أحكامنا مطلقة وأن يتسم موقفنا من العملية الانتخابية بالمرونة واليقظة في آن واحد وأن نكون جاهزين لجميع الاحتمالات.
والخلاصة هي أن المشاركة بجميع أشكالها، السلبي منها والإيجابي، ليست خيارا استراتيجيا إنما هي مجرد تكتيكات يتم اللجوء إلى أي منها حسب الضرورة التي يفرضها واقع محدد ومعطيات متحركة، وهي بهذا المعنى تعد أسلوب عمل أكثر منها نهجا سياسيا، وبهذا المعنى أيضا لا يجب تحويلها إلى قضية رئيسية يتم تصنيف المواقف وإقامة الانحيازيات علي أساسها، إنما التصنيف والانحياز يكونان علي أساس الموقف من فساد العملية الانتخابية من عدمه، فمن ينحاز ويبرر عملية انتخابية لا تحترم إرادة وحرية الناخبين في جانب، ومن يسعى إلى انتخابات تحتمل إمكانية التغيير الديموقراطي الحقيقي يقف علي الجانب الآخر.. وما بينهما هو تلك المساحة القابلة للتفاوض والمساومات أيضا، وجميعها يحتمل جميع أشكال المشاركة إيجابية كانت أما سلبية.
والله أعلم.






















