كتبت: ميار عبد الراضي
يُعد إقليم الصعيد أحد أهم الأقاليم الجغرافية والاقتصادية في مصر، إذ يضم أكثر من ثلث سكان البلاد، ويزخر بموارد طبيعية وبشرية تؤهله ليكون مركزًا صناعيًا وزراعيًا واستثماريًا واعدًا.
ورغم ذلك، لا تزال الاستثمارات المحلية والأجنبية تتركز بصورة أكبر في القاهرة الكبرى والدلتا، بينما يحصل الصعيد على نصيب محدود منها، وهو ما يثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء استمرار هذه الفجوة، وما إذا كانت جهود الدولة الحالية كافية لتغيير هذا الواقع.
فجوة تنموية ممتدة
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الصعيد يضم نحو 27 مليون نسمة، بما يمثل أكثر من 38% من سكان مصر، إلا أنه يواجه تحديات تنموية كبيرة، أبرزها ارتفاع معدلات الفقر والبطالة مقارنة بباقي الأقاليم.
ووفقًا لدراسة صادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بعنوان “تنمية ريف الصعيد: الدوران في حلقات مفرغة”، سجلت محافظة أسيوط أعلى معدل للفقر على مستوى الجمهورية بنسبة 66.7%، تلتها سوهاج بنسبة 59.6%، ثم الأقصر بنسبة 55.3%.
كما أظهرت بيانات بحث الدخل والإنفاق لعامي 2021-2022 أن أغلب معدلات الفقر تتركز في ريف الوجه القبلي، بينما أوضح تقرير مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الصادر عام 2024 أن محافظات الصعيد تأتي في مقدمة المناطق الأكثر تأثرًا بالفقر متعدد الأبعاد.
ولا تقتصر الفجوة على المؤشرات الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب محدودية القاعدة الصناعية، وضعف انتشار المناطق اللوجستية الكبرى القادرة على جذب الاستثمارات.
لماذا يعزف المستثمرون عن الصعيد؟
ويرى خبراء الاقتصاد أن هناك مجموعة من الأسباب المتراكمة التي حدّت من قدرة محافظات الصعيد على جذب رؤوس الأموال، يأتي في مقدمتها ضعف البنية التحتية الصناعية واللوجستية.
وأكد رؤساء جمعيات المستثمرين بمحافظات الصعيد، في تصريحات سابقة، أن عدداً من المناطق الصناعية ما زال يفتقر إلى الخدمات الأساسية، مثل شبكات الطرق الحديثة، ومطارات الشحن، وتوصيل الغاز الطبيعي، وهي عناصر تمثل عوامل حاسمة في اتخاذ المستثمر قرار إقامة مشروعه.
كما تمثل الإجراءات الإدارية والبيروقراطية أحد أبرز التحديات أمام المستثمرين، حيث يؤكد عدد من ممثلي مجتمع الأعمال أن طول الإجراءات وتعقيدها يقللان من جاذبية الاستثمار بالمحافظات.
أرقام تكشف حجم التفاوت
وتكشف الدراسات الاقتصادية عن تركز واضح للاستثمارات الأجنبية في عدد محدود من المحافظات.
فوفقًا لدراسة صادرة عن المنتدى الاقتصادي المصري (ERF)، لا تستحوذ محافظات الصعيد الثماني سوى على نحو 3% فقط من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر، في حين تذهب النسبة الأكبر إلى القاهرة والجيزة والمراكز الاقتصادية الرئيسية.
كما أشارت دراسة أخرى حول أنماط الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر إلى أن أكثر من 60% من رصيد الاستثمارات الأجنبية يتركز في العاصمة والمناطق المحيطة بها، وهو ما يعكس استمرار التفاوت الجغرافي في توزيع الاستثمارات.
ويؤكد هذا الواقع أن امتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يكفي لجذب المستثمرين، ما لم تتوافر بيئة أعمال متكاملة تشمل البنية الأساسية، والخدمات، وسهولة الإجراءات.
الدولة تتحرك لسد الفجوة
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت الدولة جهودها لتغيير خريطة التنمية في الصعيد عبر تنفيذ عدد من البرامج التنموية الكبرى.
ومن أبرز هذه البرامج برنامج التنمية المحلية بصعيد مصر، الذي انطلق عام 2017 بتمويل قدره 500 مليون دولار بالتعاون مع البنك الدولي، واستهدف محافظات سوهاج وقنا وأسيوط والمنيا.
وأسهم البرنامج في تنفيذ أكثر من خمسة آلاف مشروع للبنية التحتية والخدمات، وتوفير أكثر من 71 ألف فرصة عمل، ودعم آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ليستفيد منه أكثر من 8 ملايين مواطن، كما صنفته الأمم المتحدة ضمن أفضل الممارسات الدولية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي السياق ذاته، تمثل المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” أحد أكبر مشروعات التنمية الريفية في تاريخ مصر، حيث ضخت استثمارات ضخمة في محافظات الوجه القبلي لتنفيذ آلاف المشروعات في قطاعات المياه والصرف الصحي والطرق والتعليم والصحة، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار.
كما أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية تخصيص نحو 65.7 مليار جنيه لاستثمارات الصعيد ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2025/2026، إلى جانب خطة استثمارية بقيمة 50 مليار جنيه لتنمية محافظات الصعيد خلال الفترة من 2024 حتى 2030.
الطريق لا يزال طويلًا
ورغم التحسن الملحوظ في حجم المشروعات الحكومية الموجهة للصعيد، فإن جذب استثمارات خاصة ومستدامة يتطلب استكمال تطوير البنية التحتية، وتبسيط الإجراءات، وتوفير حوافز استثمارية أكثر تنافسية، إلى جانب التوسع في المناطق الصناعية واللوجستية وربطها بشبكات النقل والموانئ.
ويبقى نجاح هذه الجهود مرهونًا بقدرة الدولة على تحويل الصعيد من منطقة تعتمد على الإنفاق الحكومي إلى إقليم إنتاجي قادر على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، بما يحقق تنمية متوازنة ومستدامة، ويعزز مستهدفات رؤية مصر 2030.





















