دخل ملف تنظيم السوق العقاري مرحلة جديدة مع تحرك الدولة لإعداد إطار قانوني متكامل للقطاع، يستهدف تحقيق التوازن بين دعم الاستثمار وحماية حقوق الدولة والمطورين والمشترين، بالتزامن مع طرح ضوابط جديدة تتعلق بحسابات الضمان وتصنيف الشركات وتنظيم العلاقة التعاقدية.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول قدرة المنظومة الجديدة على معالجة مشكلات السوق من جذورها، وليس فقط تنظيم المشروعات الجديدة، خاصة مع وجود مشروعات قائمة ومتأخرة وأموال تم تحصيلها بالفعل من العملاء.
ومن جانبها، أكدت النائبة وسيدة الأعمال هالة كيرة، عضو مجلس الشيوخ وعضو لجنة الصناعة عن حزب حماة الوطن، أن الفترة المقبلة ستشهد مناقشة مشروع لتنظيم منظومة التطوير العقاري، بالتعاون بين الجهات المعنية، بما يستهدف ضبط السوق وحماية أموال المطورين والمستثمرين والمشترين.
وأوضحت كيرة، أن المنظومة الجديدة تتطلب مشاركة عدد من الجهات، من بينها وزارة الإسكان ووزارة المالية ووزارة الاستثمار والبنك، مع ضرورة وجود هيئة لتنظيم النشاط العقاري.
هالة كيرة: حساب الضمان لحماية أموال العملاء وربط الصرف بالتنفيذ
وقالت هالة، إن أحد المحاور الأساسية التي يتم المطالبة بها هو تطبيق نظام حساب الضمان «Escrow Account»، بحيث يتم وضع مقدمات الحجز والأموال التي يدفعها العملاء، وكذلك وديعة الصيانة، في حساب لا يتم الصرف منه إلا وفق ضوابط وتحت رقابة البنك.
وأوضحت عضو مجلس الشيوخ، أن المطور قد يحصل على وديعة الصيانة ثم يستخدمها في شراء أراضٍ أو توجيهها إلى مشروعات أخرى أو تشغيلها في نشاط مختلف، معتبرة أن استخدام أموال العملاء بهذه الصورة غير جائز، ومشيرة إلى أن المادة 15 من قانون حماية المستهلك تعتبر ذلك من قبيل «توظيف الأموال»، مع الإشارة إلى عقوبة تبدأ بالحبس لمدة 3 سنوات.
وأضافت هالة، أن الصرف من حساب الضمان يجب أن يرتبط بمعدلات التنفيذ الفعلية، بحيث يبدأ المطور في الحصول على مستحقاته من الحساب من خلال مستخلصات بعد وصول الإنشاءات إلى نسب محددة، موضحة أن المقترح الذي تتحدث عنه يستهدف أن يبدأ الصرف عند الوصول إلى نحو 30% أو 40% من التنفيذ، مؤكدة أن البنك المركزي والبنوك سيكون لها دور في متابعة عمليات الصرف، بينما يجري حاليًا وضع الآليات اللازمة لتطبيق النظام تمهيدًا لمناقشته ضمن مشروع تنظيم السوق العقاري.
كما أوضحت كيرة، أن البنك في حد ذاته ليس جهة صاحبة ولاية على أعمال المطور، وإنما يتولى متابعة التمويل والجوانب المالية، بينما ستتولى الجهات الرقابية متابعة أداء المطورين، مع فتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع.
صالح محمد: المشكلة ليست في التشريع وحده.. «الوضع الحالي» يحتاج إلى معالجة
وفي زاوية أخرى، أكد المهندس صالح محمد، رئيس شركة VFM Consultancy وFounder & GM، أن تنظيم السوق العقاري يحتاج أولًا إلى وجود جهة منظمة وحاكمة للعقود، خصوصًا عقود البيع على الخارطة «Off-plan».
وقال صالح، إن العقود الخاصة ببيع وحدات غير موجودة بالفعل تواجه إشكالية تتعلق بالتسجيل وطبيعة المنتج محل التعاقد، مشيرًا إلى أن وجود اتحاد للمطورين العقاريين يمكن أن يمثل خطوة مهمة إذا تحول إلى جهة منظمة للنشاط.
وأوضح محمد، أن الجهة المنظمة، وفق رؤيته، يجب ألا يقتصر دورها على وضع العقود، وإنما يمتد إلى إصدار نموذج تعاقد موحد، وتنظيم آليات البيع، ومراقبة التدفقات المالية للمطورين، ووضع حساب ضمان لكل مشروع، إلى جانب متابعة حقوق العملاء وحركة السوق بصورة عامة، مضيفا أن وجود جهة رقابية يمكن أن يسمح بالتدخل قبل تفاقم المشكلات، خاصة في ظل وجود مشروعات تأخرت لسنوات، وبعضها وصل التأخير فيه إلى نحو 10 سنوات، وما يرتبط بذلك من مستحقات للعملاء.
صالح: الـ12 نقطة جيدة.. لكن ماذا عن المشروعات القائمة؟
وقال صالح محمد، إن الإطار العام المقترح لتشكيل اتحاد المطورين يبدو جيدًا، موضحًا أنه اطلع على النقاط الـ12 المطروحة، ويرى أنها تغطي جوانب مهمة من السوق، خاصة حساب الضمان «Escrow Account»، وحساب الضمان «Guarantee Account»، مع فصل هذه الحسابات عن حسابات وديعة الصيانة والتشغيل.
كما أشاد صالح، بمقترح إنشاء جهة للتسوية الودية للمنازعات قبل اللجوء إلى القضاء، سواء بين الملاك والمطورين أو بين المطورين وبعضهم، في ظل وجود مشكلات مرتبطة بالشراكات وعمليات التطوير بالنيابة.
ووضع محمد، علامة استفهام رئيسية أمام كيفية التعامل مع السوق القائم بالفعل، موضحًا أن مصر لديها سوق عقاري يعمل منذ نحو 15 عامًا، وشهد استثمارات ضخمة في مشروعات مختلفة، وبالتالي فإن تطبيق المنظومة الجديدة على المشروعات القائمة يختلف عن تنظيم المشروعات المستقبلية.
وأوضح صالح، أن المطور الذي حصل بالفعل على أموال العملاء وأنفق جزءًا كبيرًا منها لن يكون من السهل التعامل معه بنفس الآليات الجديدة، متسائلًا عن كيفية حصر المشروعات المتأخرة وتحديد حجم التكلفة وأسباب التعثر، وما إذا كانت ناتجة عن تشريعات أو سياسات أو فجوات تمويلية أو مشكلات في التنفيذ، كيرة أن هذه الملفات تحتاج إلى حصر ميداني، معتبرًا أن التشريع مهم، لكنه وحده لا يعالج جميع مشكلات السوق القائمة.
اختلاف في زاوية التعامل مع التمويل.. واتفاق على الحاجة للرقابة
وتتفق رؤية كيرة وصالح محمد على أهمية إحكام الرقابة على الأموال وحركة التمويل، لكنهما يطرحان زاويتين مختلفتين لطبيعة هذه الرقابة، ففي الوقت الذي ترى فيه كيرة أن حساب الضمان يمكن أن يمثل إحدى الأدوات الرئيسية لربط أموال العملاء بمعدلات التنفيذ، يرى محمد، أن مراجعة التمويلات البنكية وحدها لا تعني بالضرورة تنظيم السوق العقاري أو حل مشكلات المستهلكين.
وقال صالح، إن مراجعة البنوك لتمويلات المطورين هي في الأساس علاقة تمويلية بين البنك والمطور، وتركز على الفجوات التمويلية وضمان عدم خروج الأموال من السوق بطريقة تؤدي إلى مشكلات، لكنها لا تمثل في حد ذاتها مراجعة شاملة للسوق العقاري، موضحا أن مشكلات التأخير معروفة بالفعل، مشيرًا إلى وجود ملاك كان من المفترض أن يتسلموا وحداتهم منذ سنوات ولم يتم التسليم، وبالتالي فإن السؤال الأساسي، من وجهة نظره، لا يتعلق فقط بإثبات وجود المشكلة، وإنما بكيفية حلها.
من حساب الضمان إلى العقد الموحد.. منظومة جديدة أمام اختبار التطبيق
وتشير الضوابط المطروحة حاليا إلى اتجاه نحو ربط أموال العملاء بالمشروع ذاته، إذ تتضمن مسودة مشروع قانون اتحاد المطورين العقاريين فتح حساب مستقل لكل مشروع وإيداع المتحصلات الناتجة عن التعاقدات فيه، مع ربط عمليات الصرف بالبرنامج الزمني ونسب الإنجاز الفعلية.
وبينما تركز كيرة على أن حساب الضمان يمكن أن يحمي أموال العملاء ويمنع توجيهها إلى استخدامات أخرى، يضع صالح محمد ملف العقود والجهة المنظمة والمشروعات القائمة في قلب النقاش، معتبرًا أن نجاح المنظومة لا يتوقف على صياغة التشريع فقط، وإنما على القدرة على تحويله إلى آليات تنفيذ ورقابة قادرة على التعامل مع السوق الحالي والمستقبلي.
وهكذا، لا يبدو التحدي أمام تنظيم السوق العقاري مرتبطًا فقط بوضع قواعد جديدة للمطورين، وإنما بقدرة الإطار المنتظر على الإجابة عن سؤالين متلازمين، كيف تُحمى أموال العميل منذ لحظة السداد؟ وكيف تعالج المشروعات القائمة والمتأخرة التي دخلت بالفعل في دائرة التعثر؟.
اقرا ايضا:اقتصادية قناة السويس تبحث مع السفارة الأمريكية فرص تعزيز الاستثمارات






















