تحليل دم جديد قد يكشف الزهايمر، قد يسبق ظهور أعراض الزهايمر بسنوات طويلة وجود تغيرات بيولوجية داخل الدماغ، وهو ما يجعل اكتشاف مؤشرات مبكرة للمرض أحد أهم أهداف الأبحاث الطبية الحديثة. وفي هذا السياق، توصلت دراسة حديثة إلى مجموعة من الجزيئات الوراثية الموجودة في الدم، قد تساعد مستقبلاً في رصد التغيرات المرتبطة بالزهايمر والتنبؤ باحتمالية انتقال الشخص إلى المرحلة التي تبدأ فيها الأعراض بالظهور.
تحليل دم جديد قد يكشف الزهايمر
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Medicine خلال يوليو 2026، وأجراها باحثون من كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس بالتعاون مع مؤسسات بحثية أخرى. وركزت الدراسة على جزيئات تعرف باسم الحمض النووي الريبي الدائري «circRNA»، مع الإشارة إلى أن مجموعة مكونة من 34 جزيئًا منها أظهرت قدرة لافتة على التمييز بين الأشخاص الذين لديهم مؤشرات بيولوجية للزهايمر وغيرهم.
لماذا يمثل الاكتشاف أهمية كبيرة؟
يبدأ الزهايمر في الدماغ قبل ظهور مشكلات الذاكرة والإدراك بفترة طويلة، إذ تتراكم تغيرات مرضية مرتبطة ببروتينات مثل الأميلويد وتاو تدريجيًا، بينما قد يظل الشخص قادرًا على ممارسة حياته بصورة طبيعية خلال المراحل الأولى.
ولهذا لم تعد الأبحاث تركز فقط على اكتشاف المرض بعد ظهور أعراضه، وإنما تتجه بصورة متزايدة إلى البحث عن طرق تحدد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة، وكذلك الفترة التي قد تفصل بين ظهور المؤشرات البيولوجية وبداية الأعراض.
وتأتي أهمية الدراسة الجديدة من اعتمادها على نوع مختلف من المؤشرات الموجودة في الدم، بدلًا من الاقتصار على المؤشرات البروتينية المستخدمة حاليًا.
ما هي جزيئات circRNA؟
الـcircRNA عبارة عن جزيئات من الحمض النووي الريبي تتميز ببنيتها الدائرية المغلقة، وهو ما يمنحها درجة مرتفعة من الاستقرار مقارنة ببعض أنواع RNA الأخرى.
ويُعتقد أن عددًا من هذه الجزيئات يرتبط بوظائف المخ والجهاز العصبي، كما أن وجودها في الدم جعلها محل اهتمام الباحثين باعتبارها مصدرًا محتملًا لمعلومات تعكس بعض التغيرات التي تحدث داخل الجهاز العصبي.
وخلال الدراسة، حلل الباحثون عينات وبيانات مرتبطة بـ1221 شخصًا، من بينهم 405 أشخاص مصابين بالزهايمر و816 شخصًا لا يعانون ضعفًا إدراكيًا. وتمكن الفريق من تحديد 34 جزيئًا من circRNA ارتبطت بوجود التغيرات المرضية للمرض.
وللتأكد من قوة النتائج، جرى اختبار النموذج على مجموعتين مستقلتين تضمان 551 مشاركًا من مركز Knight لأبحاث الزهايمر، بالإضافة إلى 1767 مشاركًا ضمن دراسة A4 التي تركز على المراحل السابقة لظهور أعراض المرض.
نتائج تتفوق على أحد أبرز المؤشرات الحالية
أظهرت النتائج أن النموذج الذي يعتمد على الجزيئات الـ34 حقق قيمة AUC بلغت نحو 0.945 عند استخدامه للتمييز بين الأشخاص الذين لديهم مؤشرات بيولوجية مؤكدة للزهايمر وغيرهم.
وفي المقابل، سجل مؤشر pTau217، الذي يعد من أبرز المؤشرات الدموية المستخدمة في أبحاث وتشخيص الزهايمر، قيمة بلغت نحو 0.877 في المقارنة نفسها.
واللافت أن الجمع بين بصمة circRNA ومؤشر pTau217 رفع قيمة الأداء إلى نحو 0.977، ما يشير إلى إمكانية تحقيق دقة أعلى عند استخدام المؤشرين معًا بدلًا من الاعتماد على أحدهما فقط.
هل يمكن التنبؤ بظهور الأعراض؟
أحد أكثر جوانب الدراسة إثارة للاهتمام كان اختبار قدرة هذه المؤشرات على التنبؤ بتطور المرض لدى أشخاص لم تظهر عليهم الأعراض بعد.
وأشارت النتائج إلى أن نمط circRNA كان أكثر قدرة على توقع الانتقال إلى مرحلة الزهايمر المصحوبة بأعراض مقارنة بمؤشر pTau217 وبعض القياسات الأخرى.
وبحسب ما ورد في نتائج الدراسة، بدأت مستويات بعض هذه الجزيئات في الابتعاد عن النمط الطبيعي قبل ظهور الأعراض بنحو عامين إلى أربعة أعوام في بعض التحليلات، كما ارتبط ارتفاعها بزيادة كبيرة في احتمالية الانتقال إلى المرحلة العرضية من المرض.
أهمية خاصة مع تطور علاجات الزهايمر
تزداد أهمية البحث عن مؤشرات جديدة بالتزامن مع التطور المتسارع في علاجات الزهايمر، خاصة الأدوية التي تستهدف بروتين الأميلويد.
ورغم أن هذه العلاجات تستهدف أحد الجوانب الرئيسية المرتبطة بالمرض، فإن الاعتماد على مؤشر واحد قد لا يقدم صورة كاملة عن جميع العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الدماغ.
ومن هنا يرى الباحثون أن جزيئات circRNA قد توفر نوعًا مختلفًا من المعلومات، وربما تساعد مستقبلاً في متابعة نشاط المرض بصورة أكثر شمولًا، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يحصلون على علاجات تستهدف الأميلويد.
تطور متسارع في اختبارات الدم
تشهد السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في استخدام اختبارات الدم كوسيلة مساعدة في الكشف عن التغيرات المرتبطة بالزهايمر.
وفي عام 2025، سمحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية بتسويق أول اختبار دم مخبري للمساعدة في تشخيص المرض، اعتمادًا على مؤشرات مرتبطة ببروتينات الأميلويد وpTau217.
كما شهد عام 2026 تطورات جديدة في هذا المجال مع حصول اختبارات أخرى على موافقات للاستخدام في تقييم التغيرات المرتبطة بالأميلويد لدى بعض الأشخاص الذين يعانون أعراضًا أو شكاوى معرفية.
لكن من المهم التأكيد على أن بصمة circRNA المكونة من 34 جزيئًا لا تزال في مرحلة البحث العلمي، ولم تتحول حتى الآن إلى اختبار طبي معتمد يمكن استخدامه بصورة روتينية في العيادات.
الدراسة تحتاج إلى مزيد من التحقق
ورغم النتائج الواعدة، فإن اعتماد هذه التقنية على نطاق واسع يحتاج إلى دراسات إضافية تشمل أعدادًا أكبر من المشاركين ومن خلفيات سكانية متنوعة، للتأكد من إمكانية تكرار النتائج وثبات دقتها في ظروف مختلفة.
كما تضمنت الدراسة إفصاحات تتعلق بوجود براءة اختراع مرتبطة باستخدام circRNA في تشخيص الأمراض العصبية، إلى جانب علاقات مالية أو استشارية لبعض الباحثين مع جهات تعمل في المجال، وهي أمور ينبغي وضعها في الاعتبار عند تقييم النتائج وإمكانات تحويل التقنية إلى منتج تجاري.
هل يقترب الطب من التنبؤ بموعد ظهور الزهايمر؟
إذا أكدت الأبحاث المستقبلية النتائج الحالية، فقد يتطور دور اختبارات الدم في مجال الزهايمر من مجرد اكتشاف وجود تغيرات مرضية إلى تقديم معلومات عن احتمالية اقتراب ظهور الأعراض.
ويمثل ذلك تحولًا مهمًا في التعامل مع المرض، لأن التدخل في المراحل المبكرة قد يكون أكثر فاعلية من الانتظار حتى تبدأ مشكلات الذاكرة والإدراك في الظهور.
ومع استمرار الأبحاث، قد تساعد مثل هذه المؤشرات في تحديد الأشخاص المناسبين للتجارب السريرية والعلاجات المبكرة، وتقديم صورة أكثر دقة عن تطور المرض قبل وصوله إلى المراحل التي تصبح فيها أعراضه واضحة.
نرشح لك: خالد زكي لـ الحرية: أجسد شخصية مدير شركة ومريض بالزهايمر في مسلسل فخر الدلتا




















