بتصفح سريع لردود الأفعال على مقاطع فيديو الشيخ علي جمعة الأخيرة، والتي قد تعطيك شعورًا بأنه يسعى لعرض نموذج أكثر يسرا للدين الإسلامي، إسوة بالبابا فرانسيس والكنيسة الغربية ربما، يمكنك الخروج بنتيجة عادلة تفيد بأن الرجل أي كان ما يحاول فعله قد فشل، فالواضح للعيان هو أن الكفة الراجحة امتلئت بالسخرية والهجوم عليه، حتى في بعض الفتاوى التي لو بحث نقاده عن مراجع لها لوجدوها تتفق مع آراء كبار الأئمة، أو أنها على الأقل ليست من اختراعه الخاص.
ذلك الهجوم المتوقع للغاية، يرجع لعدة أسباب، منها السياسية وأخرى ذات طبيعة نفسية، وقبل أن يرغب أحدهم بتجديد الخطاب الديني، لا بد أن يفهم كلاهما.
خلط الدين بالسياسة
تخيل معي، في زمن اختراعات الأكلات هذا، أن يقرر مطعم ما بإجراء تجديد على أكلة عريقة مثل الكشري، فيستبدل المعكرونة البيضاء العادية ويضع بدلًا منها معكرونة بالبشاميل، مع الإبقاء على كافة المكونات الأخرى كما هي دون تغيير يُذكر، هل أصدرت معدتك صوتًا يفيد الاعتراض للتو؟ أظن ذلك.
طالما أن الدين في مصر يختلط بالسياسة، والآثار والطب والهندسة والفن والرياضة، فلا عجب أن يرفض القطاع الأكبر من الناس، أن يُصيب التجديد الخطاب الديني دون ما يختلط معه، كالسياسة مثلًا، فالوضع السياسي المنغلق على أصحابه منذ زمن طويل، والشبيه في تكوينه العام حتى إن اختلف في تفاصيله الداخلية، بالأوضاع المعتادة في حكم مصر، جعل من السياسة تحفة أثرية لا تتغير تقريبًا، هي العدس بالجبة والأرز في الكشري المراد تجديد معكرونته، وعكس الدين، فالناس يعتقدون بأن السياسة تلقي بأثرها بشكل مباشر عليهم، في تلك الحياة لا الحياة الأخرى، أختلف معهم في ذلك، لكن على أي حال، فالصعوبات التي يواجهها المصري في حياته اليومية وبما أنه يُرجِعها لأسباب سياسية-اقتصادية أولًا وأخيرًا، من الطبيعي أن تجعله يسخر من محاولات تجديد الخطاب الديني بدلًا من التركيز على تحسين الأداء السياسي والاقتصادي، خاصة وأن معظم آماله المتبقية لحياة عادلة، بنيت على وعود الدين له في الحياة الأخرى، بدلًا من تلك الحياة الدنيا التي فقد فيها كل أمل تقريبًا لسوء أحواله، لذلك فهو لا يرغب في عبث نفس السلطة -بتوجيهات التجديد تلك- بأمله الأخير، بعبارة أخرى “عايزين تفسدوا علينا الدنيا والآخرة؟”
وما يزيد الطين بلة هو أن بعض المفكرين الذين يُحسَبون على تيار التنوير المتوافق مع تيار تجديد الخطاب الديني، يتلخص فكرهم عادة في الهجوم على الموروث من الأديان، والحجاب، واللحية، ونقد أفعال الصحابة بشكل متكرر، وأنا لا أنتقدهم لفعل ذلك وأحيانًا أفعل بعض ذلك بنفسي، لكن من الطبيعي أن يرفض الناس الاستماع إليك عندما تنتقد أفعال أشخاص قد ماتوا منذ ما يزيد عن تسعمائة عام، في نفس الوقت الذي تلتزم فيه الصمت أمام أفعال أشخاص يعيشون بيننا الآن وتؤثر في حياتك قراراتهم بشكل مباشر، حتى على سبيل تقديم النصح لهم إن رأيتهم يسيرون في الطريق الخطأ من وجهة نظرك، ولو لمرة واحدة، كرئيس الجمهورية مثلًا، خاصة إذا اعتدت فعل ذلك مع حكومات سابقة، أتحدث هنا عن أسماء كإبراهيم عيسى وخالد منتصر وإسلام البحيري، وأضف عليهم تيار تجديد الخطاب الديني، كأسامة الأزهري وعلي جمعة وخالد الجندي، ومما يستحق التأمل أن هناك شخصيتان يعدا الأكثر قبولًا في التيار الديني رغم أنهما أيضًا لا يتحدثا في السياسة الداخلية خصوصًا، هما الشيخ أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وداعية السوشيال ميديا، عبد الله رشدي، اللذان ربما حظيا بالقبول لاتساقهم مع أنفسهم في رفضهما للتجديد بشكل عام، دين وسياسة.
تلك كانت النقطة الأولى، التي تقف حاجزًا أمام قبول تجديد الخطاب الديني بالنسبة للمصريين، لكن هناك نقاط أخرى للحديث عنها بقية.





















