ما أفهمه عن التعويم، هو ترك سعر الصرف للعملات الأجنبية حرًا تبعًا لتقدير السوق، دون تحديد سعر معين من الحكومة، وأن قرارات التعويم تستهدف القضاء على السوق السوداء التي ستتضرر بعزوف الناس عنها واتجاههم للتعامل مع البنوك نظرًا لتقارب أو تطابق سعر الصرف بينهما.
أما السوق السوداء نفسها، فهي ناتج طبيعي لرفض البنك توفير العملة الأجنبية للمستوردين والمتعاملين بها، ما يجعل تلك السوق هي وجهة هؤلاء لإنقاذ أعمالهم، وبالنسبة لأسواق السلع فقد اعتدنا مؤخرًا أنها تُحدد أسعارها تبعًا لقيمة الدولار في السوق السوداء دون الاهتمام بقيمته الرسمية، لأن تلك القيمة الأخيرة هي مجرد رقم على الشاشة لا أكثر.
بالنظر إلى الأمور من هذه الزاوية، أن تُخبرنا الحكومة بشيء وأن يصدمنا الواقع بغيره، وأن نضطر إلى التعامل وفقًا لما يمليه الواقع لا رسميات الحكومة، فعديد القضايا يُمكن أن نَستَخرج منها أسواقًا سوداء، كقضية المرأة المصرية مثلًا، وربما يكون من المناسب الحديث عنها اليوم، بما أنه يوم المرأة العالمي وأمس الأول كان التعويم.
تُخبر الحكومة النساء بأنهن يملكون حق تحرير المحاضر ضد المتحرشين وطلب الحماية ضد مُعنفيهن من الأهل، لكن ذلك ليس ما يحدث عادة، ربما يحدث أحيانًا، لكن في أغلب الظروف، إما أن المتحرش لن يصل إلى يد الحكومة أو أنه سيصل لها لكنه سيجد هناك من يقوم بتهدئة الأمور من أجل تخليصه من مصير الحبس، وبالنسبة للأهل، فمعظم قضايا المُعنفات لا تؤخذ بجدية إلا إذا تسبب بث مباشر أو فيديو للضحية في إثارة ضجة الرأي العام، ويتفق على ذلك المجتمع وبعض الرجال في الحكومة ممن يماطلون في تحرير المحاضر وتوفير الحماية، لإعطاء الأهل الوقت المناسب للضغط على «بنتهم».
لا يعني ذلك بأن الجناة يفلتون من أي عقوبة، لكن عقوبتهم تكون مخففة بتسعير مختلف أقرته السوق السوداء للمرأة، يبدأ بضرب المتحرش سواء من الذين حضروا الحادثة أو ربما بضع صفعات من أمناء الشرطة والضباط، وفي بعض القرى والمراكز في صعيد مصر، تكون العقوبة بيد الفتاة ضحية التحرش، إذ يُحضَر الجاني إليها في جلسة عرفية، لتقوم بأخذ حقها بيدها عن طريق الركل أو الضرب «بالشبشب»، وبالنسبة لقضايا المعنفات ففي أفضل الأحوال تكتفي السوق السوداء بنهر الأهل بشدة وتهديدهم بعدم تكرار فعلتهم، وإلا فمن الممكن أن يتم توجيه اتهام رسمي لهم في مرة مقبلة.
تعويم المرأة
كما قلنا في البداية، أن التعويم هو ترك تقدير القيمة للسوق دون تدخل حكومي، وكما بينا فإنه يبدو أن ذلك هو ما يحدث بالنسبة للمرأة منذ زمن بعيد، بما أن الحكومة -بعيدًا عن ما أخبرتنا به- تتفق أحيانًا بعض أفعالها فيما يخص التعامل مع قضايا المرأة، مع تقدير السوق السوداء أي عامة المجتمع، باختلاف بسيط عن التعويم، ألا وهو أنها احتفظت بشاشاتها التي تُعلِن عن عقوبات رادعة وحماية غير محدودة، كي لا تتعارض مع الدستور لا أكثر، لكنها في حقيقتها مجرد عقوبات على شاشة العدالة، لا يؤخذ بها على أرض الواقع، وبما أن ذلك لا يحدث دائمًا، فالأدق اعتباره تعويم جزئي.
ما العمل؟
لن يتسع المقال لكتابة خطة كاملة لحل تلك المشكلة، وأيضًا فهناك من هم أجدر مني في التصدي لذلك، لكن وكبداية، فإني أجد أنه يُمكن الاستفادة بمزيد من الرقابة المرئية للمؤسسات المعنية بحقوق المرأة، تستهدف إلى جانب مهمتها الرقابية، تسهيل التواصل مع الضحايا بشكل مباشر، وأعني بذلك وجود ممثلين عنهم في أقسام الشرطة مثلًا وعدم الاكتفاء بأرقام هاتفية للتواصل، حينها ربما تؤثر تلك الرقابة المرئية على تصرفات الرجال داخل هذه الأقسام، لا لأن أقسام الشرطة تكره النساء، لكن لأن الرجال في تلك الأقسام مثلهم مثل غيرهم من رجال أي مؤسسة، منهم من يرى بضرورة العنف ضد الفتيات لكبح جماحهن، وآخر يظن أن ما ترتديه المرأة إن لم يكن فضفاضًا، فإنه يُسقِط حقها، وفي نفس الوقت، فمعرفة الضحية بأن هناك من يقتصر عمله على حمايتها داخل الأقسام، سيجعلها لا تشعر بأن توجهها إلى هناك بلا جدوى، فجزء من العمل هناك بالكامل أصبح يخص قضيتها فقط، ويقوم بالتصدي له أشخاص مختصين به.
في النهاية، وحتى لا ننسى، فالقضاء على السوق السوداء، سيتطلب أكثر من مجرد التأكد من أن الحكومة تعمل وفقًا للقانون فقط، لكن علاج الحالة الاجتماعية التي تُجيز العنف ضد المرأة أو تُخفف من جدية معاناتها تلك، هو عمل كبير يحتاج لحديث مطول، نفسي واجتماعي وفني وحتى رياضي، وأرى أننا لا زلنا لم نقترب من تلك المنطقة بالشكل المرجو، لكن على كل حال، فكل عام والمرأة المصرية بخير لما كانت ولا زالت تتحمله.





















