في ضوء تنفيذ تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعاد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ملف انتخابات المجالس المحلية إلى صدارة المشهد السياسي، مؤكدًا خلال اجتماع الحكومة الأخير ضرورة المضي قدمًا في استكمال هذا الاستحقاق الدستوري، باعتباره التزامًا واجب التنفيذ خلال المرحلة المقبلة.
عودة المحليات إلى الواجهة
تصريحات رئيس الوزراء أعادت إحياء ملف غاب لسنوات، منذ حل المجالس المحلية بحكم قضائي عام 2011، عقب بطلان انتخابات 2008 وثبوت وقائع تزوير، لتُدار منظومة الإدارة المحلية منذ ذلك الحين عبر الأجهزة التنفيذية فقط، دون وجود مجالس منتخبة تمارس الرقابة الشعبية أو تساهم في رسم أولويات التنمية على المستوى المحلي.
ومع تجدد الحديث الرسمي عن الانتخابات، تبرز التساؤلات: كيف ينظم الدستور المصري الإدارة المحلية؟ وما ملامح القانون المرتقب؟
الإطار الدستوري.. صلاحيات واسعة وتمثيل ملزم
حسم الدستور المصري الصادر عام 2014 فلسفة الإدارة المحلية ضمن الباب الثالث، واضعًا أسسًا واضحة للامركزية والمشاركة الشعبية.
فقد نصت المادة 175 على تقسيم الدولة إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، تشمل المحافظات والمدن والقرى، مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية عند إنشائها أو تعديل حدودها.
وأكدت المادة 176 التزام الدولة بدعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، مع وضع برنامج زمني لنقل الاختصاصات والموازنات إلى الوحدات المحلية، فيما شددت المادة 178 على أن للوحدات المحلية موازنات مستقلة.
أما المادة 180، فوضعت الإطار الحاكم لتشكيل المجالس المحلية، بنصها على انتخاب مجلس لكل وحدة محلية بالاقتراع العام السري المباشر لمدة 4 سنوات، مع ضمان تمثيل فئات بعينها بنسب ملزمة، تشمل:
• ربع المقاعد للشباب دون 35 عامًا
• ربع المقاعد للمرأة
• 50% على الأقل للعمال والفلاحين
• تمثيل مناسب للمسيحيين وذوي الإعاقة
ومنحت المواد الدستورية المجالس المحلية صلاحيات رقابية واسعة، من بينها متابعة تنفيذ خطط التنمية، وتوجيه طلبات الإحاطة والأسئلة والاستجوابات، وصولًا إلى سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية وفقًا للقانون، كما نصت المادة 183 على عدم جواز حل المجالس المحلية بقرار إداري شامل، بما يعزز استقلالها.
توصيات الحوار الوطني.. أرضية جاهزة للتشريع
ملف الإدارة المحلية كان من أبرز القضايا المطروحة على طاولة الحوار الوطني، الذي انتهى إلى مجموعة من التوصيات تمثل خريطة طريق تشريعية وسياسية يمكن الانطلاق منها فور إحالة مشروع القانون إلى البرلمان.

ومن أبرز هذه التوصيات:
1. الإسراع بإصدار قانون المجالس الشعبية المحلية وإجراء الانتخابات
2. اعتماد نظام انتخابي مختلط يجمع بين القائمة المطلقة المغلقة بنسبة 75% والقائمة النسبية المنقوصة بنسبة 25%
3. توسيع تعريف صفة العامل والفلاح
4. منح سكان المدن الجديدة حق انتخاب المجالس المحلية
5. تفعيل لجان التخطيط التشاركي لتعزيز مشاركة المواطنين
6. توفير برامج تدريب وتأهيل للكوادر، خاصة الشباب
القانون المنتظر.. نحو إدارة محلية جديدة
القانون المرتقب لا يقتصر على تنظيم الانتخابات، بل يستهدف إعادة هيكلة منظومة الإدارة المحلية بالكامل، بما يتسق مع النصوص الدستورية وروح اللامركزية.
ومن المتوقع أن يتضمن:
1. تحديدًا دقيقًا لاختصاصات المجالس المحلية
2. تنظيم العلاقة بين الإدارة المركزية والوحدات المحلية
3. إرساء أدوات رقابة شعبية فعالة
4. وضع آليات واضحة لحل المجالس وإعادة انتخابها
6. تعزيز التخطيط المحلي ومتابعة تنفيذ المشروعات التنموية
في جوهره، يسعى القانون إلى تأسيس نموذج جديد للإدارة المحلية، قادر على التعامل المباشر مع المشكلات اليومية للمواطنين، وتخفيف العبء عن الحكومة المركزية، وتحقيق قدر أكبر من الكفاءة والشفافية في إدارة الموارد.
ومع تأكيد الحكومة التزامها بتنفيذ الاستحقاق الدستوري، يبدو أن ملف المحليات بات أقرب من أي وقت مضى للانتقال من دائرة النقاش إلى حيز التنفيذ، في خطوة قد تعيد رسم خريطة الإدارة المحلية في مصر، وتفتح الباب أمام مشاركة شعبية أوسع في صناعة القرار على المستوى القاعدي.
اقرأ أيضا: بعد التوجيه الرئاسي.. “الشيوخ” يناقش الإسراع بإجراء انتخابات المجالس المحلية





















