يحتفل المصريون بعيد وفاء النيل يوم 15 أغسطس من كل عام، فقد آمن المصريون القدماء منذ استقرارهم على ضفاف النيل بأن نهر النيل هو مصدر الحياة وتجسيداً للنظام الكوني الذي يحيون فيه وأن منابعه هى حدود الكون المعروف في عالم الأحياء وفي العالم الآخر أيضًا وكانوا يعتقدون أن حابي إله النيل جالب السعادة، يفيض بالمياه الوفيرة كل عام لتروي أراضي مصر كلها… فهو روح النهر وقوته التي تمنح الخير للأرض.
ولكن للمرة الثانية على التوالى، يحتفل المصريون بعيد وفاء النيل يوم 15 أغسطس دون أن يكون هناك فيضانًا للنيل، بسبب الملئ الخامس لسد النهضة، أحد أسوأ العوامل المؤثرة على مصر والمصريين، مهددا بخطر الشح المائى فى مصر، إلا أن تواجد السد العالى أزاح عن مصر بشكل مؤقت خطر شح المياه.
ويرجع الاحتفال بعيد وفاء النيل إلى ما قبل العصر المصري القديم منذ أكثر من سبعة آلاف عام، ويرجع عمر نهر النيل جيولوجيا إلى حوالى 20 مليون سنة وكان داخل مصر فقط ويجمع الأنهار من جبال البحر الأحمر مثل وادى قنا ووادى الأسيوطى والحمامات ووادى العلاقى، وأخذ شكله الحالى منذ حوالى 6 مليون سنة، حيث ينبع من المنطقة الاستوائية (بحيرة فيكتوريا) والتى تساهم بحوالى 15% من الايراد السنوى، والهضبة الاثيوبية (85%) منها 60% من النيل الأزرق الذى يقام عليه سد النهضة.
ويقول خبير المياه الدكتور ضياء الدبن القوصى أن أشهر السنة كلها إيراد للنيل مقسمة ثلاثة مواسم رئيسية، اثنان فى المنطقة الاستوائية بمساهمة 15% فى إيراد النيل السنوى الأول سبتمبر – ديسمبر ، والثانى مارس – يونيو، والثالث على الهضبة الإثيوبية يوليو – سبتمبر ويساهم بحوالى 85% من إيراد النيل، المياه الاستوائية (15%) تأتى بانتظام على مدار العام بعد بناء سد أوين على بحيرة فيكتوريا 1955، بينما المياه الاثيوبية (85%) يأتى معظمها إلى مصر نهاية يوليو حتى نهاية نوفمبر، وعند وصولها يرتفع منسوب النيل ويتأكد ذلك فى منتصف أغسطس الذى اتخذه المصريون القدماء للاحتفال بالحدث المهيب بوصول المياه بعد تعطش لشهور عديدة.
وأشار القوصى إلى أن السد العالى (1960 – 1970) عمل على تخزين المياه فى بحيرة ناصر وصرفها بانتظام على مدار العام طبقا للاحتياجات خاصة الزراعية، وبالتالى أصبح وصول الفيضان خاص ببحيرة ناصر وليس بالنيل، وأصبحت مقايس النيل أثارًا تاريخية لعدم أهميتها بعد السد العالى، واصبح يوم 15 أغسطس رمزا لمكانة النيل بالنسبة لمصر بعدما كان احتفالًا مهيبا للحدث الجلل بوصول المياه بعد تعطش لشهور عديدة.
فبما أكد الدكتور عباس شراقى خبير المياه أن سد النهضة بدأ تخزين المياه يوليو 2020 بكميات قليلة ، إزدادت فى يوليو 2023 إلى حوالى 50% من إيراد النيل الأزرق وهو المصدر الأول لايراد النيل فى أغسطس، وبالتالى لم يصل الفيضان إلى بحيرة ناصر فى موعده لأول مرة فى التاريخ، وسوف يتكرر ذلك هذا العام أيضا بسبب التخزين الخامس الذى بدا 17 يوليو الماضى ويستمر حتى الاسبوع الثانى من سبتمبر القادم، والسنوات القادمة أيضا لأن مياه النيل الأزرق سوف تأتى بانتظام على مدار العام كما حدث فى مياه بحيرة فيكتوريا.
وأشار شراقى الى ان السد العالى سوف يظل حصن الأمن المائى الأول للمواطن المصرى، ويوفر المياه فى جميع أوقات السنة بمنظومة عالية هى المسئولة عن مصر الحديثة وحق القول “مصر هبة النيل والمصريين والسد العالى”، موجها الشكر للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبناة السد العالى من المصريين وروسيا على تعاونها معنا فى بناء السد العالى.



















