شهدت قرية بني حسين التابعة لمركز أسيوط واقعة مأساوية تجسد قسوة القلوب حينما تجرد مزارع من كل معاني الإنسانية والروابط الأسرية، ليقرر إنهاء حياة شقيقه وابن أخيه بدم بارد، تحت وطأة خلافات مادية لا تبرر بأي حال إراقة الدماء. وقد اتخذت العدالة مجراها اليوم الإثنين، حيث أصدرت الدائرة الثانية عشر بمحكمة جنايات أسيوط قراراً حاسماً بإحالة أوراق المتهم إلى فضيلة مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه، محدداً تاريخ 30 يوليو المقبل موعداً للنطق بالحكم النهائي، في مشهد قضائي أعاد التأكيد على حرمة النفس البشرية وتغليظ العقوبة لمن تسول له نفسه ترويع الآمنين.
وقد صدر القرار برئاسة المستشار أحمد عبدالمنعم محمود غانم، وعضوية المستشارين مصطفى أبوالقاسم زيدان، وراجي محمود أحمد، وبأمانة سر محمد عبدالحميد وأحمد عبدالعال. وتكشف تفاصيل القضية التي حملت رقم 2320 لسنة 2023 جنايات مركز أسيوط، عن وحشية الجريمة التي وقعت أحداثها بينما كان الضحايا يمارسون عملهم في حصاد القمح، ليتحول موسم الخير إلى مأتم حقيقي تحت نيران الحقد.
بدأت خيوط الواقعة ببلاغ تلقته الأجهزة الأمنية بمركز شرطة أسيوط يفيد بسماع دوي إطلاق أعيرة نارية في الأراضي الزراعية بقرية بني حسين، وعلى الفور انتقلت قوة من ضباط المباحث بقيادة المقدم عمر عبدالعظيم، رئيس وحدة مباحث المركز، إلى موقع البلاغ. وكشفت المعاينة والفحص عن وجود جثتين هامدتين لكل من “محمد . ع . أ” ونجله “طارق”، اللذين لفظا أنفاسهما الأخيرة متأثرين بإصابات بطلقات نارية قاتلة اخترقت أجسادهم خلال انشغالهم في حصاد محصول الموسم.
وبتكثيف التحريات وجمع المعلومات، توصلت مباحث مركز أسيوط إلى أن وراء ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء شخصاً كان من المفترض أن يكون سنداً لهما، وهو “حسام . ع . أ” البالغ من العمر 49 عاماً، وهو مزارع وشقيق المجني عليه الأول وعم الثاني. وأكدت التحريات أن المتهم قد بيت النية وعزم على التخلص من ذويه، مستخدماً سلاحاً نارياً عبارة عن “بندقية آلية”، حيث تتبع الضحايا حتى وصل إلى مكان تواجدهم وسط زراعات القمح، ولم يتردد في تصويب فوهات سلاحه تجاهما، ليحصد أرواحهما في لحظات، تاركاً خلفه واقعة هزت أرجاء المحافظة.
وأظهرت التحقيقات أن المحرك الأساسي لهذه المجزرة هو خلافات عميقة ومعقدة حول الميراث، حيث سيطر الطمع والجشع على عقل المتهم، ليدفعه إلى ارتكاب فعلته التي لا تغتفر. لقد حولت هذه الخلافات المادية أواصر القربى إلى عداوة مميتة، متجاهلاً المتهم كافة القيم الدينية والأخلاقية والأعراف القبلية التي تجرم قتل الشقيق أو القريب.
إن إحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية جاءت تتويجاً لجهود النيابة العامة والمحكمة في كشف ملابسات القضية، لترسل رسالة رادعة لكل من يفكر في اتخاذ العنف وسيلة لحل نزاعات الميراث أو غيرها. ينتظر أهالي القرية والمجتمع الأسيوطي بأسره جلسة 30 يوليو المقبل التي ستسدل الستار على هذه الواقعة القاسية، بانتظار القصاص العادل الذي يثلج صدور ذوي الضحايا ويضع حداً لمسلسل الجرائم الأسرية التي باتت تهدد أمن واستقرار المجتمع. إن هذه الجريمة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم تجاه ضرورة تغليب صوت العقل ونبذ العنف، فالخلاف على المال لا يمكن أن يكون ثمناً لحياة بشر، كما تظل هذه القضية شاهداً على سرعة وكفاءة العدالة المصرية في ردع المعتدين وإعادة الحقوق إلى أصحابها، مهما حاول الجناة تبرير جرائمهم بأسباب واهية لا تقبلها شريعة ولا قانون.





















