تلك قصة تاريخية، تفتقر إلى المتانة، فثمة من الروايات ما ينفيها، وثمة ما تأخذ بها، الأمر الذي يجعل وقوعها، احتمالًا قائمًا، كما يجعل حدوث غيرها، ممكنًا واردًا.
شخصيًا، أُرجح أن مؤرخًا ما، في زمان ما، دسّها في كتابٍ ما، وهو يعلم من أمر تهافتها الكثير، غير أنه فعل فعلته، لكونه أراد الهرب إلى الخلف.
لذلك يقال إن المؤرخ جبان، يغمض عينيه عن الواقع، ويغض طرفه عن كوارث زمانه، فيتحدث عن الماضي، فيقي نفسه سيف المعز أو على الأقل لا يُرمى في سجنه.
إن الديكتاتور الميت “لا يهش ولا ينش”.. أما الديكتاتور الحي، فلدغته تودي إلى القيامة، حيث لا تجدي الشفاعة، ولا ينفع الندم.. فلماذا أواجه حتفي مجانًا؟ كم من علماء وفقهاء وفلاسفة وشعراء ومفكرين وصحفيين وباحثين راحوا في خبر كان، لمجرد أنهم “سمعوا كلام غير كلام الحاكم”.
من الشجاعة أن تجبن ساعة.. هكذا تردد المقولة، التي لا أعرف من ذا المنحط الذي أطلقها.
نرجع إلى مرجوعنا.
الأرجح أن صاحبنا كان ذا ضمير، لكنه يخشى “القفا” من مخبر وغفير، فالنقدُ في زمانه، أخطر من خطير، والحاكم قوي شديد، غشومٌ قدير.
ولمّا نقح ضميره، مما يرى، من مظالم يشقى بها العوام، ممن يتكبدون قرقرة الجوع، وذل الدين والفاقة، ارتأى أن يلمّح تلميحًا، ويُرمِّز ترميزًا، فإذا تعرض للمساءلة، يقول: لقد نقلت بأمانة علمية وموضوعية، كل ما جرى، من حوادث الأخبار، ولم أزد ولم أُنقص.. فيخرج من المأزق، كالشعرة من العجين، ولا يناله بطش أو تنكيل.
وهكذا شاعت القصة، والظاهر أن عاملًا مهمًا ساهم في علو صيتها، ذلك أن فيها من العبر ما يضرب الأمثال، لأولي الألباب، وأولي السلطة في كل زمان ومكان، لعلهم يفقهون.
القصة تقول إن هولاكو، أرسل إلى الخليفة المستعصم، آخر العباسيين، رسالة تهديد فظة، جاء فيها: «عندما أقود جيشي الغاضب إلى بغداد، سأقبض عليك.. سأحرق مدينتك وأرضك وشخصك، إذا كنت حقًا تريد حماية نفسك وعائلتك، اسمع نصيحتي، وإن أبيت فسترى مشيئتي فيك».
كان هولاكو قد أضمر غزو بغداد، المدينة عثرة الحظ، قليلة البخت، منذ عهد بعيد، فتعلل برفض المستعصم بالله إرسال إمدادات عسكرية إليه لتسليح جيشه الذي يحارب الحشاشين، فقرر انتهاز المبرر، واغتنام الذريعة، لشن عدوانه التتري.
وكان قائد التتار، أرسل إلى المستعصم من مدينة همزان، ينذره بالحرب، ما لم يعلن خضوعه له، فلما لم يتلق جوابًا خلال شهرين، زحف بجيش يزيد عن ثلاثين ألف فارس، عاثوا في عاصمة الخلافة فسادا، فذبحوا الناس كالشياه، وأضرموا النيران، ودمروا أعظم مكتبات الزمان: دار الحكمة، وأنزلوا الستار دراماتيكيًا، على الخلافة العباسية، وسقطت العاصمة التي صمدت أمام أعتى العواصف، زهاء خمسة قرون.
وتذهب أقل التقديرات إلى أن حصاد سيوف التتار الظمأى للدماء، قد بلغ نحو تسعين ألفًا، فيما تقدر أخرى أن عدد الضحايا، ناهز مائتي ألف.
أما كيف مات الخليفة؟
جاء في كتاب “شخصيات من التاريخ: سير وتراجم موجزة” للدكتور على محافظة، أن هولاكو أمر بوضع خليفة المسلمين في جوال، فأخذ الجند يركلونه، حتى لفظ أنفاسه، وهو يقهقه هستيريًا إزاء المشهد الوحشي الأليم.
وتلك ليست روايتنا.. إذ يتواتر أن القائد المغولي، بعدما تمكن من الخليفة، سأله إرشاده إلى مخازن ثرواته، فإذا بالصدمة تعقد لسانه، حين رأى القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فإذا به يصرخ كوحش في عرينه: “اسجنوه.. وضعوا معه سبائكه الذهبية، وإياكم أن تقدموا له طعامًا”.
ويبدو أن خيال المؤرخ كان قصصيًا، إلى حد ما، ذلك أنه يُلبس هولاكو ثياب الحكمة، ويُجري العظة على لسانه، إذ ينقل عنه أنه قال للمستعصم: “لو أطعمت شعبك، لما سقط عرشك”.. وهي مقولة تستدعي بالضرورة، العدوان الأمريكي في بداية الألفية، وإسقاط نظام صدام حسين، الذي كان يحرص على تدخين السيجار الكوبي، فيما يرزح شعبه تحت نير الحظر، الذي حرم الرضع الحليب، وحرم المرضى العلاج، وحرم التلاميذ أقلام الرصاص.
إن التاريخ له دورات متكررة، أو كما يقال، إنه يعيد نفسه، فالمقدمات تفضي إلى نتائج، ومن يزرع الشوك يجني الجراح.






















