تتجه أنظار الأسواق العالمية خلال الأيام المقبلة إلى اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التابعة لـ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والمقرر عقده يومي 16 و17 يونيو، وسط حالة من الترقب بشأن مستقبل السياسة النقدية الأمريكية في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتصاعد حالة عدم اليقين التي تخيم على الاقتصاد العالمي.
توقعات بتثبيت أسعار الفائدة الأمريكية
تتزايد التوقعات داخل الأوساط المالية بأن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المرتقب، رغم وصول معدلات التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وفي هذا السياق، أكد ديفيد كيلي، كبير الاستراتيجيين العالميين لإدارة الأصول لدى جي بي مورجان، أن بيانات التضخم الأساسية الأخيرة جاءت أقل من توقعات الأسواق، وهو ما يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية دون الحاجة إلى اتخاذ إجراءات إضافية في الوقت الراهن.
وأوضح كيلي أن ارتفاع التضخم فوق مستوى 4% يظل مصدر قلق لأعضاء الفيدرالي، لكنه لا يمثل سببًا كافيًا لاتخاذ قرار برفع أسعار الفائدة أو خفضها في الوقت الحالي، مرجحًا أن يصوت أعضاء اللجنة بالإجماع لصالح تثبيت الفائدة مع مواصلة مراقبة تطورات الاقتصاد والتضخم خلال الأشهر المقبلة.
تراجع أسعار البنزين يدعم تهدئة التضخم
وساهم انخفاض أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 9% مقارنة بالذروة المسجلة خلال شهر مايو في تعزيز التوقعات بانحسار الضغوط التضخمية تدريجيًا خلال الفترة المقبلة، ما يدعم فرضية وصول التضخم إلى ذروته الحالية.
وأظهرت أحدث البيانات الاقتصادية ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي بنسبة 4.2% على أساس سنوي خلال مايو، وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2023، بينما ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 0.2% فقط خلال الشهر نفسه مقارنة بزيادة بلغت 0.4% في أبريل، الأمر الذي عزز آمال المستثمرين في احتواء الضغوط السعرية المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة.
تغير رهانات الأسواق بشأن مسار الفائدة
شهدت توقعات المستثمرين تحولًا ملحوظًا خلال الأسابيع الأخيرة، إذ باتت الأسواق ترجح احتمالية رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول ديسمبر المقبل، بعدما كانت التقديرات السابقة تشير إلى إمكانية خفض الفائدة مرتين خلال العام الجاري.
ويرتبط هذا التحول بشكل أساسي بتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وما نتج عنها من مخاوف بشأن أسعار الطاقة وتأثيرها المحتمل على معدلات التضخم العالمية.
“يو بي إس” يؤجل توقعات خفض الفائدة إلى 2027
في المقابل، تبنى يو بي إس رؤية أكثر تشددًا بشأن مستقبل السياسة النقدية الأمريكية، حيث أعلن تأجيل توقعاته لبدء دورة خفض أسعار الفائدة إلى مارس 2027.
وقال أندرو دوبينسكي إن استمرار قوة التضخم الأساسي ومتانة سوق العمل الأمريكي يدعمان بقاء الفائدة عند مستوياتها المرتفعة لفترة أطول، متوقعًا أن يشهد اجتماع يونيو استبعاد أي إشارات واضحة إلى التيسير النقدي.
وأضاف أن البنك يتوقع عدم إجراء أي تخفيضات للفائدة خلال عام 2026، على أن يبدأ أول خفض في مارس 2027 يتبعه خفض آخر في يونيو من العام نفسه، ليستقر بعدها نطاق الفائدة بين 3% و3.25%.
التضخم لا يزال يثير الحذر
ورغم أن بيانات التضخم الأخيرة جاءت أقل قليلًا من التوقعات، حيث سجل التضخم الأساسي نموًا شهريًا بنسبة 0.21% مقابل توقعات بلغت 0.22%، فإن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي لا يزال يدور حول مستوى 3.3% سنويًا، وهو ما يشير إلى أن معركة السيطرة على التضخم لم تُحسم بعد.
وترى المؤسسات المالية أن صورة التضخم الحالية لا تزال مختلطة، إذ تتراجع بعض الضغوط السعرية المرتبطة بالسلع، بينما تستمر مخاطر أخرى في التأثير على التوقعات الاقتصادية.
الطاقة والذكاء الاصطناعي أبرز المخاطر المستقبلية
وأشار تقرير “يو بي إس” إلى أن تراجع أسعار السلع الأساسية وانحسار آثار الرسوم الجمركية قد يسهمان في خفض التضخم بنحو 0.8 نقطة مئوية خلال العام المقبل، إلا أن عدة عوامل قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا.
ومن أبرز هذه العوامل استمرار تقلبات أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل الإمداد الناتجة عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الزيادة المتسارعة في الطلب المرتبط بتطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأكد البنك أن احتمالات رفع أسعار الفائدة لا تزال محدودة حاليًا، ولن تصبح مطروحة بقوة إلا إذا شهد الاقتصاد الأمريكي نموًا أقوى من المتوقع، أو استمرت معدلات البطالة عند مستويات منخفضة للغاية، أو ارتفعت توقعات التضخم بشكل ملحوظ.





















