كلنا في غزة فقدنا فلا بيت هنا إلا وفقد.. وأصبحنا لا نعيش بل نتعايش مع واقع فُرض علينا
إسرائيل لا تقتلنا بالصواريخ فقط بل بالجوع والمرض والقهر اليومي
الأطفال في غزة بين يتيم وناجٍ ووحيد ونازح ومصاب ومستهدف
هناك مثل عربي قديم يقول: «كانت العرب قديمًا لا تنام على ثأر».. أما اليوم فهم كغثاء السيل
الخيمة في الصيف قطعة من الجحيم وفي الشتاء مقبرة للأطفال.. والمساعدات تُسرق وتباع في السوق
أجرت الحوار- هايدي عماد الدين
عامان مرا على الطوفان، وما زال الوجع الفلسطيني يتكلم من بين الركام، بلغة لا تُترجمها سوى الدموع، إبادة للأطفال والنساء والشيوخ والرجال، فالصواريخ والنيران لا ترحم أحدًا منذ عامين متتاليين.
ومع الذكرى الثانية لطوفان الأقصى، أجرت «الحرية» حوارًا مع الصحفية الفلسطينية ريما القطاوي، التي فتحت قلبها لتروي حكاية جيلٍ كاملٍ يعيش على حدود الموت، جيل لم يعد يحلم إلا بأن يستيقظ في صباح بلا قصف.
ريما تحدثت عن الحياة داخل غزة، وانقطاع مقومات العيش، وتحول القطاع من مدينةٍ نابضة بالحياة إلى مخيم كبير للناجين، وعن الأطفال الذين صاروا رجالًا قبل أوانهم، وعن وطن يقاتل كي لا يُمحى من الذاكرة.
في البداية وبعد مرور عامين على إبادة غزة.. كيف كانت حياتك قبل الحرب؟
كنتُ طالبة في فصلي الدراسي الأخير، وعلى أعتاب إنجاز رسالة الماجستير، كنا نعيش في بيتٍ مكون من أربعة طوابق، محاطٍ بكرم عنب وتين، ونطلُ من منطقتنا الزراعية على شاطئ البحر، كنا عائلة مكونة من تسعة أفراد.

كانت حياتُنا بسيطةً رغم الحصار؛ كان لدينا بيت، وجامعة، وأحلام نعيش لأجلها، أفتقد كثيرًا طريق البيت والجامعة، وزحمة الصباح، وقاعات الدراسة؛ فالدراسة كانت ممتعةً بتفاصيلها، أما الآن فالتعليم إلكتروني، وقد افتقدنا متعة التفاعل البصري والإنساني، وغابت عنا روح الجماعة الحقيقية.
ما كنتُ أعرف عن المخيمات سوى اسمها، وكنتُ دائمًا أتساءل: ما معنى “مخيم”؟ ولم أتخيل يومًا أنني سأكون نازحةً إليه، كان كل شيء متوفرًا، وكان هناك شعور بالاستقرار، كانت حياتُنا ببساطتها مليئةً بالدفء والانتماء.
وكيف أصبحت حياتك بعد الحرب؟
المفارقة بين ما قبل 7 أكتوبر 2023 وما بعده ليست مفارقة زمنية، بل شعورية؛ هي تلك المسافة الموجعة التي لا تُقاس بالساعات، بل بالذكريات والخسارات الثقيلة، أحاول كل يوم أن أنشغل بالعمل وأهرب من التفكير، لكن لا أحد ينسى بيته، أسرته، وأصدقاءه الذين سرقتهم الحرب، فكنتُ على أعتاب إنهاء رسالة الماجستير، لكن الحرب وضعت حدًا لذلك الحلم.

في 11 أكتوبر 2023 اضطررنا إلى النزوح من بيتنا بعد تصاعد القصف، فخرج كل منا بغيارين فقط، على أمل العودة بعد يومين، لكن البيت دُمِّر بالكامل.
ومن تسعة أفراد أصبحنا خمسة فقط، أما الباقون فسافروا في ظروف مختلفة، بينما رُفض طلبي على المعبر لأنني تجاوزت الخامسة والعشرين من عمري، شعرت حينها بالقهر والذل، وكأن يدي قد اقتُطعت، رغم ذلك لم أستسلم؛ أصبحت الدراسة ملاذي، وكنتُ أقطع مسافات طويلة في الخُبر والبرد فقط لأتمكن من حضور محاضرة أو إرسال واجب، كنتُ أقول لنفسي دائمًا: طالما أستطيع المشي على قدمي فأنا في نعمة.
أنهيتُ فصلي الدراسي الأخير وعدتُ إلى غزة، وبدأتُ العمل كصحفية مستقلة، كانت تجربة موجعة ومُتعبة، لكن شعوري بأنني أنقل صوت الأيتام والناجين جعل المسؤولية أكبر.
كتبتُ عن الحياة تحت الإبادة، وشاركتُ في مجلة الجزيرة، وحاليًا أشارك في كتاب دولي لدعم الفلسطينيين، الحرب سرقت منا كل شيء، لكنها لم تستطع أن تسرق إرادتنا.
كم عدد الأشخاص الذين فقدتِهم بسبب حرب الإبادة؟
لم أفقد أحدًا من أفراد عائلتي، لكن العائلة تشتت داخل غزة وخارجها، فقدتُ زملاء أعزاء منهم سعيد الطويل في بداية الحرب، ومؤخرًا محمد قريقع، وكانا زميلي في دراسة الماجستير.
قبل استشهاد محمد قريقع بيومٍ واحد فقط، كنتُ قد تواصلتُ معه عبر الهاتف لإجراء مقابلة معه ومع أنس الشريف، من أجل توثيق تجربة الزميل إسماعيل الغول، وكنتُ في انتظار رد من محمد لتحديد موعد المقابلة، لكن كلما أتذكر ما حدث أشعر بالصدمة، إلى اليوم لستُ مستوعبة، أن تكون بانتظار إجابة، فيبقى السؤال معلّقًا إلى الأبد.
فقدتُ كثيرًا من الدكاترة والأساتذة الذين درّسوني، وكانت تلك صدمة أخرى، لا كلمات تعبر عن تعازينا بأساتذتنا تحديدًا وهذه من أكبر خساراتنا كطلاب وطالبات في غزة.
كلنا في غزة فقدنا؛ لا بيت في غزة إلا وفقد وأعتقد أن كلمة فقدان لا تقتصر فقط على فقدان الجسد، فعندما نغادر بيوتنا نفقد جزءًا من روحنا وكل ذكرياتنا، والنزوح الأخير مثلًا هو خروج الجسد من الروح؛ نحن أموات على قيد الحياة.
وأنا لدي أمنية واحدة فقط: أن أكون، عندما تنتهي الحرب، ما زلتُ بكامل عقلي لأن تفاصيل الحياة في غزة اليوم أكبر من أن يستوعبها أو يدركها أي عقل.
وماذا عن حياة الأطفال في الحرب؟
أحفظ اقتباسًا لمحمود درويش عن ظهر قلب يقول: «الزمن هناك لا يأخذ الأطفال من الطفولة إلى الشيخوخة، ولكنه يجعلهم رجالًا في أول لقاء مع العدو».
أنا أؤمن بأن استهداف إسرائيل للأطفال في غزة ليس لأنهم يمثلون الفئة الأضعف في المواجهة، بل لأنه استهداف مقصود للحلقة الأقوى في الصراع؛ فالاحتلال يعرف أن هؤلاء الأطفال هم المستقبل، في مواجهة محاولات محو الوجود الفلسطيني واقتلاعه من أرضه.

وعندما أتحدث عن الأطفال تحديدًا، يَحتم على أي صحفي أن يكون متماسكًا وقويًا، وأن يبقى قابضًا بيديه وقلبه على الأمل، ليمنح هؤلاء الأطفال شيئًا من بصيص النور في آخر النفق.
وفي جميع مقابلاتي مع الأطفال، كنتُ في لحظة من اللحظات أرمي قلمي والدفتر جانبًا، وأحتضن الطفل الذي أمامي لأُخفي دموعي في هذا الحُضن الصغير، وبالوقت نفسه أستمد منه قوتي لأكمل وأواصل السير في هذا الطريق الطويل والموحش.
فهناك 49 ألف طفلٍ يتيم في غزة خلال حرب الإبادة، والصفة المشتركة بين جميع هؤلاء الأطفال الذين غطيتُ قصصهم، أن معظمهم كان راضيًا، يحدّثني قائلًا: عائلتي ذهبت عند الله، في مكانٍ آمن لا قصف فيه، وفيه طعامٌ ليس مثلنا.

أما عن التعليم، ونحن ندخل العام الثالث على التوالي من الحرب، فلا مستقبل واضح أمام هؤلاء الأطفال، ومع انعدام الظروف الآدمية، إلا أن أكثر ما يلفت النظر أن لسان حالهم دائمًا يقول: متى سنعود إلى المدرسة
وبالفعل، هناك محاولات دؤوبة من الأطفال أنفسهم لخلق بيئة تعليمية، من خلال مجموعاتٍ يمثلون فيها دور المدرسة والطلاب، وهذا أكثر ما أثر في، وأمام عيني أرى كل يوم طفلًا يأتي صباحًا بجهاز الآيباد، يجلس أمام مشرحة الموتى ليتابع دروسه، لأن الإنترنت متوفر فقط في تلك النقطة قرب مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، وهناك أطفال آخرون اتخذوا من التعليم ملاذًا آمنًا وسط الحرب.
وأذكر أن في معهد الأمل للأيتام كانت هناك طفلة هي الناجية الوحيدة من عائلتها، وعلى الرغم من إصابتها، إلا أنها حفظت القرآن الكريم كاملًا.
الواقع في غزة صعبٌ جدًا؛ فالأطفال بين يتيم وناجٍ ووحيد ونازح ومصاب ومستهدف، كثير منهم يقضي يومه متنقلًا من طابور الخبز إلى طابور الماء، ومع ذلك نادرًا ما ترى طفلًا منطفئًا أو بلا حلم بالعودة إلى مدرسته.
ما أصعب موقف إنساني مر عليكي خلال حرب الإبادة؟
في إحدى المرات، كنت أجري مقابلة مع طفلة أُصيبت بحروق من الدرجة الثالثة، بعد أن احترقت من التكية، بينما كان والدها قد استُشهد خلال الحرب، كنت فقط أسألها “احكيلي ماذا حدث معك؟”، ففاجأتني بالبكاء ودفنت وجهها بين يديها، حينها تأثرت نفسيًا بشدة، وظلّت هذه الطفلة محفورة في ذاكرتي إلى اليوم.
ومؤخرًا، عندما عُدت إلى غزة، قررت الذهاب للاطمئنان عليها، لكنني تفاجأت بأنهم خلعوا خيمتهم ونزحوا إلى الجنوب.
كيف تعيشون تحت الحصار والحرب اليومية؟
الناس لا تعيش وإنما تتعايش، فهذا واقع فُرض علينا، واليوم أبسط تفاصيل الحياة أصبحت رحلة من العذاب، فمثلًا أجرة النزوح من شمال القطاع إلى الجنوب بلغت «12 ألف شيكل»، والبعض اضطر إلى ترك كل أغراضه في غزة والنزوح سيرًا على الأقدام لأنه لا يملك حتى «شيكلًا» واحدًا، وسعر الخيمة وصل إلى «5000 شيكل»، مما جعل الناس تجلس في الشوارع على الأرصفة دون مأوى، كما أن الأسعار في السوق باهظة جدًا.
وفي فترة المجاعة الأخيرة كانت هناك سلع متوفرة في السوق ولكن بأسعار فلكية، وحتى من كان يملك المال لم يكن يستطيع شراءها، كنا نقضي اليوم واليومين دون طعام، فما بالك بمن لا يملك أي مال.
وحاليًا كل سكان قطاع غزة، سواء من يملك المال أو لا، يعيشون على المساعدات، لكن حتى المساعدات هناك من تصله فيأكل وهناك من لا تصله، أما المرضى فمع غياب العلاج وتدهور الوضع الصحي، تتدهور حالتهم يومًا بعد يوم، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة.
وبالإضافة إلى ذلك القصف لا يتوقف ولا يوجد مكان آمن فحتى المستشفيات التي يُفترض أن تكون مأوى آمنا أصبحت من أكثر الأماكن خطرًا في لحظة واحدة يمكن أن تنقلب الدنيا بغارة، وفي شوارع غزة الآن الناس محاصَرة لا تستطيع الخروج لجلب الطعام أو الماء، ومن يخرج يُقتل، أما السفر فهو حلم لكل غزي، ليس فقط منذ الحرب بل منذ سنوات طويلة، واليوم رغم أنه أصبح ضرورة للمرضى إلا أنه شبه مستحيل وغالبًا ما يموت المريض قبل أن يحين دوره للسفر.
كيف هو وضع المستشفيات الآن في القطاع؟
بحسب ما صرح به الدكتور إياد الجبري، مدير مستشفى شهداء الأقصى، فإن المنظومة الطبية منهارة تمامًا في قطاع غزة، فالعمل يقتصر حاليًا على مستشفيات الجنوب فقط، بينما في الشمال فهي شبه خارج الخدمة.

وعلى الرغم من قلة الوقود والمستلزمات الطبية، يحاول الكادر الطبي تقديم الخدمات المناسبة للنازحين من الشمال إلى الجنوب، والذين بلغ عددهم قرابة المليون نسمة، ومنذ فترة طويلة لم تصل المستلزمات الطبية إلا بنسب ضئيلة جدًا، مما يضطر الطاقم الطبي إلى المفاضلة بين الجرحى والمصابين، وهو ما يؤدي إلى وقوع وفيات مؤلمة.
هل تصل المساعدات الإنسانية إلى القطاع؟
نعم المساعدات تصل إلى القطاع ولكن آلية توزيعها تتم حاليًا عبر مؤسسات غير “الأونروا” بعد تقييد عملها، لذلك أصبحت عملية التوزيع شبه عشوائية وكثير من المؤسسات تسرق المساعدات وتبيعها في السوق بأسعار باهظة لا يقدر المواطن الغزي على دفعها.
وغياب إشراف “الأونروا” على عملية التوزيع أمر مقصود يهدف إلى نشر الفوضى وصناعة حالة من البؤس بين المواطنين.
وهناك طريقة أخرى تُعرف باسم «نقاط التوزيع الأمريكية» أو ما يُسمى بـ«نقاط الموت»، وهذه لا يلجأ إليها إلا المحتاجون بشدة أو بعض اللصوص، واحتمال النجاة منها يكاد يكون صفرًا، وعمومًا المساعدات أصبحت اليوم عصب السوق في غزة، لأن إدخال البضائع التجارية إلى القطاع شبه متوقف.
ما هو رأيك في الموقف العربي من الحرب؟
هناك مثل عربي قديم يقول: «كانت العرب قديمًا لا تنام على ثأر»، أما اليوم فالعرب كغثاء السيل، أمة عربية كاملة لا تستطيع وقف هذه الإبادة، من المؤلم أن أوروبا كلها انتفضت، واعترفت بالدولة الفلسطينية، وبعثت بأساطيل في قوافل رمزية لكسر الحصار، بينما العرب… أين هم؟ أين الشعوب العربية؟، إنه أمر مخجل ومخزٍ، وأتمنى من الله أن يستيقظ العرب من غفلتهم قبل فوات الأوان.
كيف تصفين أماكن النزوح الآن في غزة؟
الخيمة لا توفر أدنى متطلبات الخصوصية، ولا تقي الإنسان من حر الصيف أو برد الشتاء، الخيمة في الصيف قطعة من الجحيم، وفي الشتاء يموت الأطفال الرضّع وكبار السن من البرد، فالفلسطيني لا يموت من الصواريخ فقط، نحن نموت كل يوم ألف مرة، إسرائيل تقتلنا بالقصف، وبالجوع، وبالمرض، وبالحرمان من أبسط الحقوق كالعلاج.
إسرائيل لم تسرق بيوتنا فقط، بل سرقت أعمارنا وأجمل أيام حياتنا، وما زالت تقتل وتنهب منذ عام 1948 بأبشع الطرق والأساليب.
ما هي رسالتك للعالم؟

كفى حروبًا نحن نريد أن نعيش بسلام، سبعة عشر عامًا من الحصار والحروب ضيّعت أعمارنا، نحن لسنا أرقامًا ولا أدوات في صفقات سياسية، نحن بشر لنا أحلام وطموحات، كانت لدينا بيوت وعائلات وأسر، لكن كل شيء انتهى في لحظة… من أجل ماذا؟ ولماذا؟
نحن نريد إنسانًا عربيًا واحدًا يجيبنا: لماذا يحدث كل هذا؟ إسرائيل تقتلنا على الهواء مباشرة والعالم كله يقف معها، لا تقل كيف ركبوا على ظهورنا، بل قل لماذا انحنينا.
جدتي من مواليد 1947، عاشت النكبة والمخيمات وكل الحروب على غزة، كانت تقول دائمًا: «اللي بيطلع من هاي الحرب عمره طويل»، وأعتقد أن هذه الجملة تلخّص الوجع الفلسطيني والواقع الغزي اليوم.
ولو انتهت هذه الحرب وبقيتُ على قيد الحياة، سأعتبر أن بقاء أي إنسان حي بعد عامين من الإبادة معجزة، فنحن الآن ندفع ثمن الصمت، نحن الفلسطينيين في غزة والضفة وخارج فلسطين.
ورسالتي للعالم: أريد أن أصرخ تعبنا، والدي دائمًا يقول إن هذا قدر الفلسطينيين، وأن علينا الصبر، لكن حتى الصبر نفد، في كل مرة نقول هذا هو الأسوأ، ونكتشف أن الأسوأ لم يأتِ بعد.
ما هو أكثر شيء تتمنين حدوثه الآن؟
أن تتوقف الحرب، وأن تنتهي هذه المقتلة، وأن يُوقف شلال الدم، هذه ليست أمنيتي فقط كإنسانة وصحافية، بل أمنية كل فلسطيني وكل غزي، بل أمنية أكثر من مليوني إنسان في القطاع.





















