تعيش محافظة السويداء جنوبي سوريا اليوم حالة من الاستنزاف الشامل، حيث تحول الحصار إلى أداة تفتيت اجتماعي واقتصادي. لم تعد الأزمة مجرد نقص في السلع، بل تحولت إلى غياب تام للسيولة النقدية وتوقف عجلة الحياة الحكومية، مما جعل المحافظة نموذجاً حياً لـ “مجتمع ما بعد الدولة”.
أزمة السويداء المعيشية تتصاعد وسط غياب الحلول التنموية الرسمية والمستدامة
تبدأ أزمة السويداء جنوبي سوريا المعيشية في الدخول بمنعطف خطر يهدد الاستقرار الاجتماعي نتيجة السياسات الممنهجة التي أدت لتعطيل الإنتاج، حيث تواجه المنطقة تدهوراً حاداً في مستويات الدخل وتوقفاً شبه كامل للخدمات الأساسية منذ أحداث يوليو 2025 الماضية، وتشير المعطيات الميدانية إلى أن تغييب المشاريع التنموية والتهميش الاقتصادي المتعمد قد دفع بالسكان نحو خيارات بديلة قاسية لمواجهة الحصار الخانق الذي يطبق على مفاصل الحياة اليومية بالمدينة.
تحولات جذرية في البنية السكانية ومخاطر البطالة
أدت أحداث تموز إلى احتراق 37 قرية ونزوح سكانها بالكامل نحو مركز المدينة مما شكل ضغطاً غير مسبوق على البنية التحتية، وتسبب هذا النزوح القسري في فقدان آلاف الأسر لمصادر رزقها الأساسية المتمثلة في الزراعة وتربية المواشي مما رفع معدلات البطالة لأرقام قياسية، وتواجه شريحة واسعة من الأهالي استنزافاً كاملاً للمدخرات المالية في سبيل تأمين الحد الأدنى من متطلبات السكن والاحتياجات الضرورية في ظل انعدام الموارد الثابتة.
توقف الدورة الاقتصادية وانهيار القدرة الشرائية
انقطعت رواتب الموظفين بشكل كامل مما أدى إلى غياب السيولة النقدية من الأسواق وتعطل الحركة التجارية في مختلف القطاعات الحيوية، وتعاني الأنشطة التجارية من شلل تام بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وأزمات الطاقة والكهرباء المتواصلة التي قلصت ساعات العمل للحد الأدنى، ويواجه القطاع الخاص صعوبات أمنية ولوجستية بالغة تمنعه من الاستمرار في الإنتاج مما انعكس سلباً على توفر السلع الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين.
انتشار الاقتصاد غير الرسمي وتصاعد أزمة الغذاء
برزت بسطات الشوارع والمقايضة كحلول أخيرة للسكان لتأمين لقمة العيش بعيداً عن المنظومة الرسمية المنهارة التي تخلت عن مسؤولياتها تماماً، وتؤكد لميس جودية أن الاعتماد على المساعدات الإنسانية المحدودة والمبادرات الفردية لا يشكل حلاً مستداماً للأزمة المتفاقمة في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، وتدهورت مستويات الأمن الغذائي بشكل مخيف خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة نتيجة نقص الأدوية والمكملات الغذائية وصعوبة الحصول على الوجبات المتوازنة يومياً.
الزراعة المنزلية وسيلة أخيرة للصمود المجتمعي
لجأ الأهالي إلى استغلال أسطح المنازل والشرفات لزراعة الخضروات وجمع النباتات البرية لتوفير الغذاء وتغطية النقص الحاد في الأسواق المحلية، وظهرت مبادرات تضامنية لدعم مراكز الإيواء وتقديم خدمات تعليمية للأطفال في محاولة لترميم التصدعات الاجتماعية الناتجة عن الحصار الاقتصادي المفروض، وتشدد لميس جودية على أن هذه المشاريع المتناهية الصغر رغم أهميتها تظل مجرد “تكيف قسري” مع واقع مرير يتطلب تدخلاً تنموياً شاملاً لإنقاذ المنطقة من كارثة محققة.

















