ما بين رومانسية الحلم وسطوة الواقع، تظل ثورة 25 يناير 2011 حدثا لا يمكن تجاهله مهما مرت السنوات؛ لأنه لا يمكن فصل الحقبة التي تلتها -والتي نعيش على آثارها حتى اليوم- عن الفعل الثوري الذي أشعلها؛ فالتاريخ وحدة متكاملة لا يمكن اجتزاء مرحلة منها عن الأخرى.
ورغم أن القاعدة الأساسية في التاريخ تقول إن الصورة الكاملة لأي حدث تاريخي لا تتجلى بوضوح إلا بعد 50 عاما، لكن تسارع الأحداث يجعل كل عام يمر على هذه الثورة العظيمة يأتي بدروس وعبر تتكشف عاما تلو الآخر وهو ما أحب أن أشير إليه في عدة نقاط، وذلك من واقع مشاركتي فيها كمواطن مصري أولا، وقربي من أحداثها والأشخاص الفاعلين فيها ثانيا.
كانت الرومانسية السياسية هي الفاعل الأول في إشعال الشرارة الأولى لثورة يناير، وقد شهدت على ذلك من خلال الحراك الممثل في حركات الضغط السياسي التي كان أغلبها من الشباب الذي حلم بدولة ديمقراطية تحميها الحرية وتحكمها العدالة الاجتماعية.
نعم كان الحلم نقيا بما يكفي ليمتد من الشباب إلى المواطن البسيط- الذي أطلقوا عليه لاحقا حزب الكنبة- فلم يكن مشهدا عاديا أن تخرج جموع الشعب المصري بكل طوائفه لتنضم إلى أحلام الشباب.
وبالفعل مضى اليوم الأول للثورة كأنه حلم جميل، وحتى في المحطة الثانية “جمعة الغضب” كان الأمر لا يزال رومانسيا رغم وقوع شهداء واختلال منظومة الأمن التي عوضها الجيش بنزوله لحماية مؤسسات الدولة والمتظاهرين في لحظة كان الشعب هو الجيش والجيش هو الشعب.
ورغم أعمال السلب والنهب التي وقعت بعد انسحاب الشرطة وما تلا ذلك من اقتحام السجون، لكن ظل الحلم قائما والصورة وردية طوال الـ18 يوما في ميدان التحرير، لكن في الكواليس كان هناك أمرا يتم في غفلة من المتظاهرين الذين كان كل همهم إسقاط النظام دون أن يفكروا في البديل.
وبسبب نقص خبرة الشباب الثوري، ووجود فراغ سياسي مع تهاوي نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، هنا بدأت الأطماع تتحكم في مسار الثورة.
كانت البداية من جماعة الإخوان التي باعت المتظاهرين ومطالبهم البسيطة وراحت تتحرك خلف الكواليس لمصالحها الضيقة حتى لو كان ذلك على حساب نقاء الفعل الثوري، وكان هذا أول معول هدم للحلم الرومانسي الذي ظل قائما في ميدان التحرير حتى لحظة خلع الرئيس الراحل.
نعم إنهم يقولون إن السياسة لعبة قذرة، وهو ما لم يفطن له الشباب النقي الذي قام بالثورة، فأنى له أن يفهم ما وراء الكواليس ودخول أصحاب المصالح طرفا في الصراع على “الكعكة” التي حاول الجميع الحصول على نصيب الأسد منها.
وما بين نقاء الشباب ومصالح السياسيين وجشع الإخوان، وقع المصريون في الفخ، فخرجت المطالب الفئوية التي دفعهم إليها خلايا نائمة في كل المصالح، بينما كانت القوى السياسية تتنافس على السلطة وتعد نفسها للانتخابات المقبلة لينتهي الفعل الثوري النقي للشباب الذي أخرجوه عن عمد من المعادلة السياسية ولم يبق إلا أصحاب المصالح فكانت النتيجة هي الوقوع في مستنقع الإخوان لتنتهي الموجة الأولى من الثورة بوصول الإخوان للحكم، قبل أن يعود الشباب مرة أخرى للميادين في كل مصر لإنقاذ ثورتهم التي سرقها الإخوان، وهو ما تحقق في 30 يونيو التي أعتبِرها الموجة الثانية من 25 يناير وليس ثورة منفصلة عنها.
وفي الذكرى الـ١٤ لثورة يناير أوجه هذه الرسائل لأصحاب القرار في الدولة:
لا معنى لوجود العديد من الشباب الوطني غير المؤدلج في السجون، فلابد من الإفراج السريع عنهم لأنهم أصحاب الفكرة، والفكرة لا تموت ولا تقف عن جيل واحد.
مكنوا الشباب والأجيال الجديدة واستمعوا لهم جيدا فهم ذخيرة المستقبل.
افتحوا المجال السياسي حتى لا يحدث الاحتقان الذي شهدناه قبل 2011 فالبلد لا تتحمل أحداثا جديدة.
لا تزال مطالب 25 يناير لم تتحقق بالنسبة للسواد الأعظم من الشعب المصري الذي تحمل كل شيء في سبيل الحفاظ على دولتهم.
كفانا التركيز على المشروعات القومية -التي لا ننكر أهميتها- ولنهتم أكثر بالإنسان المصري الذي يستحق حياة أفضل.
أخيرا ودائما لن ننسى شهداء الثورة الأبرار فهم أفضل من فينا فسلاما لأرواحهم الطاهرة، وكفى الله مصر كل سوء وكل عام وأنتم بخير بمناسبة ثورتنا العظيمة 25 يناير 2011.





















