كتبت: سمر أبو الدهب
كيف يسرق التضخم لقمة العيش من موائد الفقراء؟ يكشف هذا التحقيق عن قصص إنسانية مؤلمة لا ترويها الأرقام الاقتصادية وحدها، بل ترويها الموائد التي تتقلص عليها الأطباق يومًا بعد يوم، فمع كل ارتفاع في الأسعار، يجد الفقراء أنفسهم في سباق غير متكافئ مع التضخم.
على بعد خطوات من سوق مزدحم، تقف “أم محمد” 55 عامًا، تتمعن في أسعار الخضروات المعروضة، بيدها قائمة مشتريات قصيرة، وفي ذهنها حسابات أكثر تعقيدًا.
تضرب كفًا بكف “كانت هذه الميزانية تكفيني لشراء أسبوع كامل، اليوم بالكاد تكفي لثلاثة أيام”، تقول “أم محمد” بصوت خافت يعبر عن مرارة لا تقتصر على مذاق الطعام، بل تمتد لتطال حياتها اليومية.
هذه ليست مجرد قصة فردية، بل هي صدى لواقع يعيشه ملايين الأسر في السنوات الأخيرة، حيث باتت أرقام التضخم الاقتصادية قصة إنسانية مؤلمة، تُروى على موائد طعام تتقلص عليها الأطباق يومًا بعد يوم.
هذا التحقيق يتتبع رحلة الغذاء من المزرعة إلى المائدة، ليكشف كيف أن كل زيادة في الأسعار تعني نقصًا في كمية الطعام أو نوعيته، وتضع الأمن الغذائي للأسر الفقيرة على المحك.

قصص من حافة الجوع
في حي شعبي بسيط يتسم سكانه بالفقر، يجلس “علي” 40 عامًا، عامل يومية، على عتبة منزله بملامح أنهكها التعب، “عملت 10 ساعات اليوم، وكسبت 150 جنيه”.
ويُضيف: “سعر كيلو الأرز وحده يبدء من 20 جنيه والطماطم 15 جنيه، والبطاطس من 7.5 إلى 15 جنيه، ناهيك عن مكملات الطعام من زيت وسمن وتوابل وملح وغيرهم، مع استبعاد اللحوم والأسماك والدواجن بكل تأكيد، فماذا سأشتري لأبنائي؟” يتساءل علي بمرارة، ويشير إلى أن قراراته اليومية لم تعد تتعلق باختيار الأفضل، بل باختيار الأقل ضررًا.
الأمر لا يقتصر على الكبار، فداخل غرفة صغيرة، تجلس “حنين” 20 عامًا، طالبة جامعية، تقضي ليلتها في المذاكرة، وجبتها الرئيسية غالبًا ما تكون خبزًا وجبنًا رخيصًا: “أصبحنا نستغني عن وجبة الإفطار أحيانًا لنوفر ثمن وجبة الغداء، التركيز في المحاضرات أصبح صعبًا، لكن الجوع يذكرني دائمًا بأن التعليم لا يملأ المعدة”.
وفي مشهد متكرر تقف نجوى، أم لثلاثة أطفال، أمام متجر البقالة، تحاول أن تشتري لأبنائها شيئًا من البروتين، لكن التضخم جعل أسعار الدواجن واللحوم لمن استطاع إليها سبيلًا، لم تعد تستطيع شراء سوى العدس والأرز والمكرونة، اللذين أصبحا البروتين الوحيد المتاح لأسرتها.
تعود فاطمة إلى منزلها بوجبة بسيطة، وتخفي حزنها وراء ابتسامة بينما يأكل أطفالها في صمت، تاركًا طبقهم فارغًا من كل ما هو ثمين.
نرشح لك: صرخات صامتة في مهب الريح.. العمالة غير المنتظمة «حياة بلا أمان»
أرقام تروي حكاية مؤلمة
الأرقام الرسمية تؤكد ما يرويه الناس، فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، شهدت أسعار السلع الغذائية الأساسية ارتفاعًا في أغسطس الماضي يقدر بـ 0.2%، وشمل هذا الارتفاع منتجات الحبوب والزيوت والخضروات، علمًا بأن هذا التضخم المستمر يفوق بكثير الزيادة في الأجور خاصة لأصحاب الدخل المحدود أو العمالة غير المنتظمة، مما يقلل بشكل فعلي من القوة الشرائية للدخول.
تأثيرات صحية ومستقبلية
التبعات لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي، بل تمتد لتطال الصحة العامة، يقول الدكتور مصطفى زهران، استشاري التغذية، في تصريح لـ «الحرية»، عندما تضطر الأسر إلى استبدال البروتينات والخضروات والفواكه بأطعمة رخيصة مثل الأرز والمكرونة، فإنها تتسبب في نقص حاد في الفيتامينات والمعادن الضرورية، وأن هذا النقص يؤدي إلى سوء التغذية، فقر الدم، وضعف المناعة، وهو ما يؤثر على نمو الأطفال وقدرتهم على التعلم، كما يجعل الكبار أكثر عرضة للأمراض”.
ما هو الحل؟
في مواجهة هذا الواقع، تظهر مبادرات حكومية ومجتمعية، لكنها غالبًا ما تكون غير كافية لمواجهة حجم المشكلة، يرى الخبراء أن الحل يتطلب سياسات اقتصادية كلية تستهدف كبح جماح التضخم، بالإضافة إلى شبكات حماية اجتماعية أكثر فعالية وكفاءة.
يقترح الدكتور أحمد أبو الفتوح الخبير الاقتصادي، أنه يجب أن تكون هناك سياسات اقتصادية واضحة تستهدف دعم المزارعين والمنتجين الصغار، وتشجيع الزراعة المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يجب أن يتم ربط الأجور بمعدلات التضخم لضمان أن القوة الشرائية للمواطنين لا تتآكل بمرور الوقت.
في نهاية المطاف، يبقى الخبز، رمز الحياة، مرًا في فم من لا يملكون ثمنه، إنها دعوة للجميع، من صناع القرار إلى المواطنين، لإعادة النظر في أرقام الاقتصاد ليس كأرقام فقط، بل كقصص إنسانية تستحق الاهتمام والحل.





















