ثقل مبهم، ضيف ثقيل جاثم فوق صدرك يأبى إنهاء الزيارة، خواء تتساوى معه الموجودات كافة، تتلاشى فيه الرغبات حتى تظن أنها لم تكن قط، لا تشعر بالحزن، ولا بالفرح، ولا بالإثارة أو الفضول.. أنت لا تشعر أصلاً.
تمضي أيام ساعاتها ثقال، دقائقها كأنها الدهر، تنشد زفيرك الأخير كأنه انتصارك الأوحد، تعلم يقينًا أنه سبيل الخلاص الأضمن، يسترجع فص ما بمخك ذكريات سعيدة، فلا تجدها كذلك، ويستعيد أحداثًا أليمة، فلا تزيدك ألمًا..
إن مررت بشيء مما ذكرته في الفقرتين السابقتين، فأهلاً بك في عالم بلا ألوان، بلا هدف ولا معنى، عالم يستوي فيه كل شيء، لا هزائم فيه ولا انتصارات، قلب ينبض، يضخ دمًا في شرايينك، يستقي أكسجينًا من الرئة، ويعيد إليها ثاني أكسيد الكربون لتزفره… لتصبح هذه العملية هي الإثبات الوحيد على كونك حيًا، إن كان ثمة ما يُسمى بالموت الإكلينيكي، فلماذا لا نطلق على هذه الحالة “الحياة البيولوجية”، أعتقد أن أدق وصف للمكتئب هو أنه “حي بيولوجيًا”.. فقط!
سنوات طوال أسأنا فيها استخدام مصطلح “الاكتئاب” حتى فقد معناه، فصار كل مراهق ينهي علاقته بصديقته ذات الستة عشر عامًا، يبلغ أقرانه على الفور بأنه لن يذهب معهم إلى المقهى اليوم لأنه “مكتئب شوية”… بهذه البساطة! وهذا تحديدًا ما جعله “مرض UNDERRATED” في مجتمعنا.
صار الاكتئاب مرادفًا للحزن، والبّوْن بينهما شاسع في واقع الأمر، المكتئب ليس شخصًا حزينًا، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يكون سعيدًا، فإن كنت مكتئبًا لا قدر الله لن تستطيع أن تمدح شيئًا أو تقدحه، فلن تجد مثلاً أن هذه الأشجار جميلة، إلا أنك لن تراها قبيحة، ستراها كأشجار، أشجار فقط، بعض غصون وجذور وأوراق ليس إلا، تلك الفتاة التي سال لعابك كالرضيع حين تقربت منك يومًا، سوف تكتشف أنها ليست بهذا الجمال في الواقع، ليست فاتنة الوجه، ولا ذميمته، هي محض فتاة لا أكثر، لا فرق بينها وبين أي رجل سوى بعض الاختلافات التشريحية، التي لم تعد تعنيك هي الأخرى.
المكتئب لا يبكي ليل نهار كما صورته تراجيديات الدراما، لا يضم شفتيه في تقزز طوال الوقت، لا يعتكف وحيدًا تاركًا لحيته ليشذبها خالقها، لا يهجر أسرته أو أصدقاءه أو عمله، بل يمارس كل نشاط ممكن، يبتسم ويطلق النكات البذيئة وسط الأقربين، يأكل وجبته المفضلة بذات النهم ويواظب على قهوته في الصباح، حواسه تظل مكتملة لا شك، إلا الشعور، فأنت تعيش، تعمل، تشجع الأهلي بفطرتك، غير أنك لا تشعر بأي من ذلك…
يؤسفني أيضًا بأن أبلغك أن الضيف الثقيل الجاثم على صدرك سيواصل التطفل، سيطور ذاته ويتسرب إلى أحلامك، إلى عمق سباتك، إلى لحظات كانت حتى وقت قريب سبيلك الأوحد للراحة، ليبدأ عقلك الباطن في تذكيرك بأنه لا يقل شأنًا عن نظيره: “إن كان وعيك قادرًا على الفتك بك فلست أدنى منه”، فيخوض الثنائي غمار الحرب ضدك في سيزيفية مخيفة.
سيخبرك الطبيب أنه “السيروتونين”، بعض المستقبلات في المخ نسيت دورها وهرموناتك يقل تركيزها، ويكتب له “روشتة” تحتوي على بعض مثبطات الـ”شيء ما” الانتقائية، ربما ينصحك ببعض الشوكولاتة لزيادة “الدوبامين”، وقد يكون من ذلك النوع الذي ينصحك بالصلاة وصوم النوافل والاستغفار لتصفو روحك، رغم تأكيده منذ دقائق أن الأزمة هرمونية بحتة!
في عالم الطب، يعلم كل مختص حجم هذا المرض اللعين، يدرك خطورته التي لا يعيها العوام، لن أبالغ أبدًا إن قارنته بالسرطان، فإن كان الأخير يأكل جسدك شيئًا فشيئًا، فالاكتئاب يلتهم روحك في المقابل، يفترسها بدم بارد، في هدوء شديد، هدوء لا يسمح لغيرك بإدراك ما بك، إنه “سرطان الروح” بلا منازع.
- إذا وجدت نفسك في أي مما قرأته هنا، فلا تتأخر لحظة إضافية، توجه إلى طبيب نفسي فورًا، ولا تخجل من طلب المساعدة، فكل لحظة تتأخر فيها عن مواجهة هذا الوحش، يزداد شراسة وفتكًا، لا تتوانى عن مجابهته فإنه لن يتردد لحظة في الفتك بك!





















