كتبت: سمر أبو الدهب
خلف أبواب المنازل في مدن وقرى مصر، تتحول الأرقام الاقتصادية الصارمة إلى قصص إنسانية مؤلمة، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار مقتصرًا على الغذاء والوقود، بل امتد ليشمل أقدس احتياجات الإنسان ألا وهي الرعاية الصحية.
لم يكتفِ هذا التحول بإرهاق ميزانيات الأسر، بل وضعهم أمام خيارات صعبة ومُرّة، أجبرتهم على المفاضلة بين صحة أحبائهم وتوفير أساسيات العيش.
هذا التحقيق يتجاوز الإحصائيات الباردة ليسلط الضوء على الوجه الإنساني لأزمة تضخم تكاليف العلاج في مصر، ويكشف كيف يغير هذا العبء خريطة حياة الأسر للأبد.
نرشح لك: «الخبز المُرّ»| كيف يسرق التضخم لقمة العيش من موائد الفقراء؟.. صرخات ألم لا ترويها الأرقام
العبء الاقتصادي وأرقام تلتهم الدخل
تعكس مؤشرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر أن بند الرعاية الصحية والأدوية قد سجل ارتفاعات متتالية تفوق معدلات التضخم العام، حيث أنه في أعقاب تحرير سعر الصرف الأخير، شهد قطاع الدواء موجات رفع أسعار متتالية، وأشارت تقديرات شعبة الأدوية حينذاك إلى موافقة الهيئة على تحريك أسعار ما يقارب من 1600 مستحضر دوائي خلال فترة وجيزة، وتشير بيانات الإنفاق الأسري إلى أن متوسط نسبة الإنفاق على الصحة في الموازنة الأسرية قد قفزت بشكل حاد.
على سبيل المثال، في الأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود التي تعول مرضى مزمنين، قد تتجاوز كلفة الأدوية الشهرية 25% من إجمالي الدخل الشهري، مما يفرض على ملايين الأسر اللجوء إلى الاستدانة أو “كسر المدخرات” أو حتى تسييل ما تبقى من الأصول البسيطة لتغطية الفجوة بين الدخل وتكلفة العلاج الضروري.

على اختلاف الظروف.. المعاناة ذاتها
سلكت «الحرية» بعض الدروب لتسلط الضوء على فاتورة العلاج التي لا تقتصر على فئة الدخل المحدود؛ بل تطال الشرائح المتوسطة أيضًا، مُجردةً إياها من أي هامش أمان مالي.
سهام محمود (50 عامًا)، ربة أسرة ذات دخل متوسط، قالت: “راتب زوجي كنا نتدبر به أمورنا، لكن بعد أن زادت تكلفة حقن ابني لمرض المناعة الذاتية بما يقارب 70%، أصبحنا نعيش على القروض، ونضطر لتأجيل سداد فواتير الكهرباء أو تقليل كمية اللحوم؛ وإلا توقف علاج ابننا، حيث أن التأمين لم يعد يغطي سوى جزء بسيط، فنحن ندفع الفرق الذي يتجاوز 5000 جنيه شهريًا، وهو مبلغ يفوق قسط قرضنا القديم”.
أما خالد راضي (29 عامًا)، عامل في القطاع الخاص من ذوي الدخل المحدود، قال: “أبي يحتاج عملية قسطرة مستعجلة، لكن تكلفة العملية في مستشفى خاص معقول تبلغ حوالي 70 ألف جنيه، المستشفيات الحكومية قوائم انتظارها لا تمنحنا أملاً سريعًا، اضطررت للاقتراض بضمان مرتب خالي لتمويل صحة أبي، وبذلك سأبدأ حياتي المهنية مثقلاً بدين ضخم لا أضمن متى سأنهيه”.
أما المهندس علي حسان (45 عامًا)، موظف بدخل فوق المتوسط فيقول: “كنا نظن أن تأميننا الصحي الخاص كافٍ، لكن بعد إصابتي بمرض مزمن تطلّب دواءً جديدًا، اكتشفت أن تكلفة الدواء الشهري وحده تبلغ 12 ألف جنيه، لا يغطي التأمين منها سوى النصف، رغم أننا لسنا فقراء، إلا أن هذا المبلغ يهدد بتآكل كل مدخراتنا خلال عام واحد، أشعر أنني أتحول ببطء إلى عبء مالي على عائلتي، وكلما مر الوقت كلما ارتفع قلقنا من الجرعة القادمة”.
اقرأ أيضًا: وزير الإسكان يعلن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للمدن الذكية.. لتحقيق رؤية مصر 2030
أين تكمن المشكلة؟
من جانبه قال الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، في تصريح لـ «الحرية»، إن ارتفاع تكاليف العلاج هو نتاج تضافر عدة عوامل أبرزها ارتباط تسعيرة الدواء المصري بسعر صرف الدولار، حيث أن حوالي 90% من المواد الخام الفعالة في صناعة الدواء يتم استيرادها.
ولفت إلى أن هذا الارتباط يضع مصير المريض في يد تقلبات العملة الأجنبية ومعدلات التضخم، مشيرًا إلى غياب الرقابة الفعالة على سلاسل الإمداد وهوامش الربح في ظل التسعير الجبري للدواء الذي لا يتناسب مع التكلفة الفعلية بعد التعويم، مما يهدد بـ نقص أصناف معينة أو احتكارها.
وأشار إلى أن مظلة التأمين الصحي الحالية لا تغطي التكلفة الحقيقية للعلاج الحديث أو قد تفرض حدودًا قصوى لا تتناسب مع تكلفة علاج الأمراض المزمنة.






















