في خطوة قانونية واجتماعية طال انتظارها، أعادت الحكومة المصرية فتح ملف “الإيجار القديم” الموروث من أكثر من ستة عقود، بعد حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية تثبيت القيمة الإيجارية بشكل دائم، ما اعتبرته المحكمة إخلالاً بمبادئ العدالة الاجتماعية وصيانة الملكية الخاصة.
حكم المحكمة الدستورية وعودة الملف للواجهة
الحكم الذي صدر في عام 2024 أعاد تسليط الضوء على واحد من أعقد الملفات السكنية في مصر، حيث منحت المحكمة مهلة للسلطات التشريعية حتى منتصف عام 2025 لتوفيق الأوضاع القانونية. وأكدت المحكمة في حكمها أن الإبقاء على نفس القيمة الإيجارية لعقود طويلة يعد مخالفة دستورية ويضر بحقوق الملاك.
الحكومة: “نسعى لقانون متوازن”
خلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي، أكد رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، أن الحكومة “لا تنحاز لطرف ضد الآخر”، وأنها تسعى لوضع تشريع “متوازن” يراعي حقوق الملاك ويحفظ البعد الاجتماعي للمستأجرين، مشيرًا إلى أن القانون يأتي استجابة لحكم المحكمة الدستورية وليس بدافع سياسي أو اقتصادي.
وأوضح مدبولي، أن مشروع القانون المقدم إلى مجلس النواب يتضمن آلية لزيادة تدريجية في قيمة الإيجارات على مدار 5 سنوات انتقالية، مع وضع حد أدنى لقيم الإيجار حسب الموقع الجغرافي (مدن/ قرى).
مشادات في جلسات الحوار المجتمعي بالبرلمان
في المقابل، شهد اجتماع لجنة الإسكان بمجلس النواب مشادات كلامية حادة خلال مناقشة مشروع القانون، لا سيما بين النائب أحمد الشرقاوي والدكتور السيد عيد نايل، العميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة عين شمس، الذي أكد أن “الأجرة التافهة تُبطل عقد الإيجار”، معتبرًا أن للمشرع الحق في إنهاء العقود الممتدة.
ورفض الشرقاوي، هذا الطرح، معتبرًا أنه “رأي شخصي لا يعكس الأساس القانوني للحكم”، ما أثار ردود فعل متباينة داخل اللجنة، وسط مطالب بإتاحة المجال للخبراء القانونيين لعرض رؤاهم بوضوح.
من جانبه، قال النائب أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية، إن البرلمان يعقد جلسات حوار مجتمعي للاستماع لكل الآراء، القانونية والشعبية، من أجل التوصل لصيغة قانونية تراعي المصلحة العامة.
الشق الاجتماعي.. مستأجرون يصرخون: “إحنا الضحية”
على الجانب الآخر، عبّر عدد من المستأجرين عن قلقهم الشديد من تبعات تعديل قانون الإيجار القديم، فتقول فاطمة عبد الحميد، 65 عامًا، أرملة تقيم في شقة إيجار قديم بمنطقة شبرا الخيمة، لـ”الحرية”: “أنا بدفع 12 جنيه في الشهر، هو مبلغ قليل، لكن لو زاد مرة واحدة لـ300 أو 400 جنيه، أنا مش هعرف أعيش.. معاشي 1200 جنيه، ومفيش حد بيصرف عليّا”.
بينما يقول عماد إبراهيم، موظف بالمعاش يقطن بحي الخليفة بالقاهرة: “الناس بتقول إننا واخدين الشقق ببلاش، بس محدش بيفكر إن إحنا بنينا حياتنا واستقرارنا على السكن ده. فجأة عايزين يطردونا أو يرفعوا الإيجار 10 أضعاف!”.
ويطالب هؤلاء المستأجرون بأن تلتزم الدولة بتوفير مساكن بديلة أو مساعدات مالية قبل تطبيق القانون الجديد، مع تأكيدهم أن “العدالة لا تكون فقط لصالح المالك”.
مُلاك شقق الإيجار القديم: “ده حقنا”
تقول نجوى توني محمد، إحدى السيدات، التي تمتلك وحدة سكنية وتستأجر أخرى في نفس الوقت، إنها تشعر بالفرح بسبب وجود نظام جديد منظم، لكنها قلقة من تأثيره المالي: “إحنا فرحانين، بس زعلانة من ناحية إن الإيجار هيزيد عليّ. مش دي المشكلة الكبيرة، لأن في ظل الظروف الحالية، الحياة بقت صعبة على كل الناس. فيه ناس إيجاراتهم لسه 7 أو 10 أو حتى 50 جنيه. أنا مثلًا إيجاري 100 جنيه، وده مش هيعمل حاجة النهارده”.
وتضيف أن الفكرة في حد ذاتها جيدة، لكن القلق الأكبر يتعلق بإجراءات الإخلاء: “الطرد هو اللي صعب. لو النظام بعد 5 سنين مثلاً بدأ يطبق زي ما بيقولوا، بس بطريقة تدريجية، يبقى كويس. مش ييجي مرة واحدة يطلب مني 5 أو 10 أو حتى 20 ألف جنيه، وأنا كنت بدفع 100 جنيه بس”.
وتقترح أن تكون هناك زيادات تدريجية واضحة ومعلنة، حتى لا يتفاجأ المستأجرون بمبالغ لا يمكنهم تحملها.
ويقول مجدي سعيد، أحد ملاك العقارات، إنه يرفض تمامًا فكرة طرد المستأجرين، مؤكدًا أنه لن يُقدِم على هذه الخطوة مع أي من سكان عقاره، لكنه في الوقت نفسه يطالب بتحقيق قدر من العدالة في قيمة الإيجار.
ويُضيف “سعيد”: “لا يُعقل في هذا الزمن أن يكون إيجار شقة كاملة 100 جنيه فقط، وهو مبلغ لا يغطي حتى تكلفة انتقالي لتحصيله”، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الأوضاع يمثل ظلمًا بيّنًا للملاك ويستدعي تدخلًا عاجلًا لتحقيق توازن عادل بين حقوق المالك والمستأجر.
الخبراء: أزمة قديمة تحتاج حلولًا عادلة
الدكتور السيد نايل، شدد على ضرورة صياغة قانون جديد يعيد التوازن إلى العلاقة بين المالك والمستأجر، معتبرًا أن “استمرار الاستثناء أصبح هو القاعدة في مصر”، مشيرًا إلى أن الأصل في القانون هو حماية الملكية، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى مراعاة محدودي الدخل بتوفير مساكن بديلة أو نظم تمليك ميسرة.
وأضاف أن من المهم “ألا يتم وضع حد أدنى موحد لقيمة الإيجار، بل يجب أن تختلف حسب طبيعة المكان، سواء كان في حي شعبي أو راقٍ”.
هل ينجح البرلمان في تمرير قانون متوازن؟
يبقى السؤال الأكبر المطروح على طاولة النقاش: هل يستطيع البرلمان المصري الخروج بقانون يوازن بين حفظ الحقوق الدستورية للمالكين وضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية للمستأجرين؟
في ظل الجدل القانوني والانقسام المجتمعي، يتطلب الأمر حوارًا موسعًا وتخطيطًا مرحليًا دقيقًا يضمن عدم الإضرار بملايين الأسر من جهة، وعدم استمرار “التجميد الإيجاري” الظالم للملاك من جهة أخرى.





















