قالت النائبة السابقة أميرة بهاء الدين أبو شقة إن إصدار قانون لتنظيم العدالة ثم اكتشاف عدم الاستعداد لتطبيقه وتأجيله عامًا بعد آخر، يعد «منتهى العبث»، مشيرة إلى أن الأمر يتعلق بقانون الإجراءات الجنائية، وليس قانونًا عابرًا أو تعديلًا يمكن أن يمر في زحام التشريعات.
وأوضحت أن قانون الإجراءات الجنائية طال انتظاره لأكثر من 75 عامًا، ويمس المواطن في أكثر لحظات حياته حساسية، منذ أن يطرق بابه مأمور الضبط القضائي، مرورًا بالتحقيق والاتهام، ثم المحاكمة، وحتى تنفيذ الحكم، قائلة: «إنه باختصار، القانون الذي يرسم عمليًا حدود العلاقة بين المواطن وسُلطة الدولة عندما تكون الحرية على المحك!».
وأضافت أن التعامل مع قانون الإجراءات الجنائية باعتباره مجرد «إنجاز تشريعي» أو محاولة لتسجيل سبق زمني على قوانين مضى عليها عشرات السنين، يمثل في حد ذاته اختزالًا مخلًا لفلسفة التشريع.
وأشارت أبو شقة إلى أنها كانت عضوًا ناشطًا وفاعلًا في مجلس النواب عن حزب الوفد، باللجنة الدستورية والتشريعية، وأن محاضر اللجنة تشهد بأنها قدمت ملاحظات جوهرية على مشروع القانون.
وأوضحت أنها عندما طُلب منها إبداء الرأي في التعديلات، لم يكن موقفها بحثًا عن مكسب حزبي أو رغبة في تعطيل التشريع، وإنما انطلق من قاعدة بسيطة، وهي أن القوانين لا توضع لإرضاء أحد أو لإثبات أن واضعيها أفضل ممن سبقوهم بعقود، وإنما لأن حياة الناس وحقوقهم وحرياتهم تحتاج إلى قواعد تحميها.
تأجيل تطبيق القانون يثير تساؤلات حول الجاهزية التكنولوجية والإدارية للمؤسسات
وأكدت أن القيمة الحقيقية للقانون تبدأ يوم دخوله حيز التنفيذ، ووجود منظومة قادرة على تطبيقه بكفاءة وعدالة، موضحة أن موافقة مجلس النواب على تأجيل بدء العمل بالقانون عامًا آخر تضع سؤالًا جوهريًا: «لماذا تأجل، وماذا سيتم خلال هذا العام الإضافي؟».
وقالت إنه إذا كانت الدولة تحتاج إلى عامين لاستكمال البنية التكنولوجية، وربط المحاكم بالمنظومات الإلكترونية، وتدريب القضاة وأعضاء النيابة والمحامين والعاملين، وتأمين بيانات المتقاضين، وتجهيز المحاكم لنظم التقاضي الحديثة، فلا بأس من التأجيل إذا كان ذلك ضرورة حقيقية لحماية حسن سير العدالة، لكنها فرقت بين ذلك وبين إدارة الدولة بمنطق «نؤجل ونشوف بعدين».
وأوضحت أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد ينقل جزءًا من طريقة إدارة العدالة نفسها إلى منظومة أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، وبالتالي فإن أي ارتباك في الانتقال من النظام القديم إلى الجديد سيدفع ثمنه المواطن فقط، سواء كان ينتظر حكمًا، أو يبحث عن حق، أو يواجه اتهامًا، أو يقضي أيامًا وشهورًا خلف أسوار السجن.
وأشارت إلى أن الساعات الماضية، منذ موافقة البرلمان على تأجيل تنفيذ القانون، شهدت تساؤلات حول جدوى صدور قانون بهذه الحساسية، ثم اكتشاف الحاجة إلى عام إضافي حتى تكون الدولة مستعدة لتطبيقه، متسائلة: «فهل المشكلة فعلًا في القانون أم في قدرتنا على تنفيذ ما نكتبه؟».
ولفتت إلى أنه في ظل تسارع وتيرة التطور التكنولوجي والرقمي، لا تزال بعض مؤسسات الدولة تتعامل مع التجهيزات وكأن أمامها سنوات وعقود، متسائلة: «إذا كانت الدولة احتاجت عامًا كاملًا للاستعداد لتطبيق قانون كان معلومًا موعد سريانه، فماذا لو كان المطلوب تطبيق تحول أكبر وأكثر تعقيدًا؟».
وأكدت أن المشكلة ليست في التأجيل أو ضيق الوقت، وإنما في غياب التخطيط منذ البداية، مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق بقانون الإجراءات الجنائية وحده، لأن المواطن المصري، بحسب قولها، يعرف معنى أن يسمع عن إصلاح ينتظر اكتماله، وعن منظومة تحتاج إلى وقت، وعن قانون يحتاج إلى ترتيبات، ثم يجد نفسه بعد سنوات بانتظار تنفيذ الوعود.
وقالت أبو شقة إن الدولة ربما تستطيع بناء محاكم فاخرة، مرصعة بالرخام، وبها العديد من المصاعد، وفق أحدث الطرازات المعمارية، لكن العدالة تُقاس بمدى قدرة المواطن على الوصول إلى حقه، واحترام حريته، وسرعة الفصل في قضيته، مع ضمانات محاكمة عادلة لا تتعطل، لأن «السيستم واقع».
وأضافت أن كثيرين عقدوا آمالهم على بدء تطبيق القانون للاستفادة من التعديلات الكبيرة التي تصون الحريات وتعطي الكثير من الضمانات للمتهمين، لكنها رأت أن «أصدرنا قانونًا قبل أن نمتلك أدوات تطبيقه».
وأكدت أن المواطن لا يعنيه أن يكون القانون جديدًا أو قديمًا، وإنما ما يهمه فقط أن تكون حقوقه مصونة، والإجراءات واضحة، والعدالة حاضرة عندما يحتاج إليها.
واختتمت أبو شقة بالتأكيد على أنه عند سن أي قانون، يجب أن يتزامن ذلك مع آلية لتطبيقه على أرض الواقع، محذرة من أن ما حدث مع قانون الإجراءات الجنائية يمكن أن يتكرر مرات أخرى مع قوانين العمل والمعاشات والتأمينات، وخصوصًا قانون الإيجارات رقم 164 لسنة 2025، الذي مر عليه أكثر من عام، متسائلة: «فهل سنتعامل أيضًا بنفس العقلية وبـ«منتهى العبث» مع ملايين المستأجرين، بعد أقل من 6 سنوات، عندما يحين موعد إخلاء وحداتهم السكنية؟».






















