الدستور هو الوثيقة التي وقع عليها وتوافق عليها الشعب، والدستور هو الوثيقة التي يقسم علي احترامها كل مسئول، والدستور مثل الحّكم، الذي يحتكم اليه جميع المواطنيين ، حكاماً ومحكومين.
ومن بين نصوص الدستور فيما يتعلق بحقوق وحريات المواطنيين، حق هام لكل من تقيد حريته ، ولا يجوز قيد حرية مواطن والقاء القبض عليه الا في حالة التلبس بارتكاب جريمة، او باذن من السلطات القضائية.
هذا الحق هو الذي نصت عليه المادة 54 من الدستور بان يحاط كتابة بالتهمة المنسوبة اليه، وان يمكن فور القبض عليه من الاتصال بذوية ومحاميه .. هذا حقه الدستوري.
وتدق اهمية هذا النص، كأحد ضمانات العدالة في بلادنا، عند الحديث عن التطبيق العملي له، وهل تطبقه السلطات الامنيه او القضائية وتمكن كل مواطن يقبض عليه من الاتصال بأحد من اهله ليطمئنه عليه او بمحاميه ليحضر معه تحقيقات النيابة؟
الحقيقه اني انا شخصياً ومن خلال عملي كمحامي علي مدار اكثر من 30عام، لم يصادفني ذلك سوي مرتين، مرة في منتصف التسعينات تقريبا، وكان المتهم جار لي اعرفه ويعرفني، معروض علي نيابة امن الدوله التي كان مقرها حينذاك بمصر الجديدة، وقد اصر هذا المتهم قبل التحقيق معه علي الاتصال بي للحضور معه وقت الفجر تقريبا، وقد مكنه المحقق من ذلك، والمرة الثانيه كان اثناء حضوري مع بعض المقبوض عليهم في احداث مظاهرات 20سبتمر 2019 التي وقعت حينها نتيجه دعوة عشوائيه من المقاول محمد علي المقيم بالخارج، وقد اصريت انا هذه المره اثناء حضوري التحقيقات مع بعض الشباب المقبوض عليه ان يمكنوا من الاتصال بأهاليهم، وقد كان ومكنهم السيد وكيل النيابة من ذلك.
ولا خلا عن ذلك، لا اجد ولا يجد غيري من المحامين لهذا النص تطبيقاً في الواقع العملي ..
ولكي نتفهم اهمية هذا الحق الدستوري للمواطنيين،علينا هنا ان نستدعي ونعيش معا مشاعر ذوي واهالي كل من يقبض عليه، سواء كان متهما سياسيا او جنائياً. نعيش معهم ونشعر معهم بتلك الاوقات العصيبه المتوترة التي يعيشونها قلقا علي ابنهم او اخيهم او ابيهم او اي عزيز اخر لديهم.
ولنا ان نعرف ان القبض علي مواطن في قضيه من قضايا الامن الوطني علي سبيل المثال، قد يعرضه للاحتجاز لمدة قد تصل الي نحو 28يوما تحت تحفظ مأمور الضبط وفقا لقانون مكافحة الارهاب، وهو ما يلوع ويحصر قلوب أهله وذويه حول مصيره وظروف احتجازه، حتي ان البعض منهم يسمي هذا بالاختفاء القسري.
لا اعتقد ان العداله يضيرها اتصال متهم باهله او محاميه، فالاصل في الانسان البراءة، ولا يضير ذلك ايضا الامن، وقد قيل في الاثر، ان احد الولاه ارسل برساله الي الفاروق عمر يطلب منه مال لبناء سور حول المدينه التي يتولي امرها، فرد عليه الفاروق برساله من ثلاث كلمات “سور مدينتك بالعدل” .
ونحن هنا، لا نقلل من اهمية دور اجهزتنا الامنيه والقضائيه وما يقومون به من جهد في حفظ الامن واقامة العداله في بلادنا، بل اننا وان كنا نطالب بدورنا كمحامين بحق من حقوق المواطنيين، نص عليه الدستور الذي اقسمنا جميعا علي احترامه، فاننا حريصين ايضا كحرص أجهزتنا علي امن وسلامة بلادنا، واقامة العدل فيها.
وختاماً اذكر هنا مبدأ عظيم من مباديء العداله، التي ارستها محكمة النقض المصريه في قول بليغ مختصر “أنه لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس والقبض عليهم بدون وجه حق”بل انه من قبيل الفضل ان تكون الرحمة قبل العدل” الرحمة بأباء وامهات واخوة واخوات وزوجات وازواج وابناء وبنات، تنفطر قلوبهم وتذهب عقولهم عند القبض علي عزيز لهم، الرحمه والعدل والدستور يقتضي ان يمكن المتهم من الاتصال بذوية و محاميه فور القبض عليه.





















