أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس بشأن تحفظه على بعض الممارسات التي شهدتها العملية الانتخابية، وتأكيده امتلاكه “حق الفيتو” اعتراضًا على هذه التجاوزات، نقاشًا واسعًا حول تدخل الرئيس للمرة الأولى وإبداء رأيه في مخرجات العمليه الانتخابية، وهو نقاش يتجاوز حدود الأشخاص والنتائج إلى نقاش أكبر يتعلق بمستقبل الحياة السياسية في مصر، فهذه اللحظة بما تحمله من دلالات قد تمثل فرصة حقيقية لإعادة تقييم المنظومة السياسية بأكملها، ليس بهدف المواجهة أو التصعيد، وإنما بهدف الإصلاح الذي يضمن استقرار الدولة ويعزز المشاركة العامة ويعيد الإيمان بالعملية السياسية.
إن فكرة “الفيتو” في جوهرها ليست أداة لحجب الفرص، او الاعتراض الحظي، بل يمكن أن تكون آلية لتصحيح المسار ، وإذا كان من الممكن استخدام هذا الحق لضبط أداء العملية الانتخابية أو لضمان معايير أعلى للنزاهة والتمثيل، فإن المنطق ذاته يدعونا إلى التفكير في “فيتو أشمل” يوجه نحو مواطن الخلل البنيوي التى تعيقً تطور الحياة السياسية، نحن بحاجة إلى فيتو يرفض استمرار الجمود، ويواجه التراجع، ويشجع على بناء مناخ سياسي يسمح بالتعددية الحقيقية ويعترف بأهمية النقاش العام وحرية الرأي.
وفي ظل التحديات التي تواجه الدولة داخليًا وخارجيًا، تبدو المرحلة الحالية مناسبة لإطلاق مسار إصلاحي واقعي ومتدرج، يقوم على مراجعة القوانين المنظمة للحياة السياسية، فكثير من المهتمين بالشأن العام وبعض وسائل الاعلام والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني قد قطعوا شوطًا طويلًا في المطالبة بمساحات أوسع للمشاركة، بينما أظهرت التجارب الانتخابية المتتالية أن القوانين الحالية تحتاج إلى تطوير شامل، يشمل ذلك قانون مباشرة الحقوق السياسية، الذي يمكن تعديله لضمان عدالة أكبر في الترشح والتصويت والحملات الانتخابية، بالإضافة إلى إعادة النظر في قانون تقسيم الدوائر بما يحقق تمثيلًا أكثر توازنًا ويحد من ظاهرة الدوائر المغلقة أو الموروثة، كما يستدعي الأمر تقييمًا موضوعيًا لقانون الانتخابات البرلمانية والنظام الانتخابي نفسه، بصورة تسمح بتمثيل يعكس التنوع الاجتماعي والسياسي في جميع الدوائر الانتخابية، وينطبق الأمر كذلك على قانون الأحزاب، الذي يتطلب قانون جديد يسهّل تأسيس الكيانات السياسية ويحفزها على تقديم برامج ورؤى قابلة للتطبيق بدلًا من بقائها كيانات شكلية أو جامدة.
ولا يمكن تناول الإصلاح السياسي دون التطرق إلى ملف المجال العام، إذ أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي تسمح بتنوع الأفكار وتداول الرأي بحرية منضبطة تكون أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات، ومن هنا فإن مراجعة أوضاع المحبوسين على ذمة قضايا سياسية أو قضايا مرتبطة بحرية الرأي والتعبير باتت ضرورة لتعزيز الثقة وإعادة دمج فئات مختلفة في المجال العام بصورة إيجابية ومسؤولة.
إن الفيتو الذي تحتاجه الحياة السياسية اليوم ليس فيتو موجهًا ضد أفراد بعينهم، أو ممارسات انتخابيه بل هو فيتو على استمرار الاحتكار السياسي، وعلى غياب التوازن، وعلى إقصاء الكفاءات والطاقات الجديدة التي يمكن أن تسهم في تجديد الدماء داخل المجال العام، إنه فيتو لصالح المستقبل، لصالح المشاركة، ولصالح دولة قوية تستمد استقرارها من حيوية السياسة لا من انكماشها.
وليكن العام القادم ٢٠٢٦ هو عام إطلاق مسار إصلاحي متدرج يقدم رسالة واضحة بأن الدولة جادة في تطوير مؤسساتها وتعزيز تمثيل مواطنيها، فالإصلاح السياسي ليس معارضة للدولة، بل دعم لها، وتحصين لمستقبلها، وتعزيز لقدرتها على مواجهة التحديات بثقة واقتدار، وما تحتاجه مصر اليوم ليس فيتو على أشخاص، بل فيتو على التراجع السياسي، وعلى استمرار الأزمات البنيوية، وعلى إغلاق المجال العام، فيتو يفتح الطريق نحو بناء حياة سياسية أكثر عدالة وتوازنًا وواقعية.




















