انطلقت في الفترة الأخيرة مُبادرة شعبية تلقائية، اجتاحت عدداً من مُدننا الساحلية (القاهرة -الاسماعيلية ـ بورسعيد ـ السويس ـ الإسكندرية ـ دمياط ـ قنا ـ المحلة) ومناطق أخرى عديدة، تدعو إلى مقاطعة شراء الأسماك (ومن بعدها اللحوم وضرورات غذائية أخرى!)، رداً على جشع التُجَّار والبائعين، الذين استغلوا الظروف الصعبة الراهنة التي تمر بها البلاد، حتى أوصلوا أسعار اللحوم؛ والدواجن؛ والبيض، ومُنتجات الألبان، والبقول، وحتى الفول والطعمية والعدس (التى كانت وجباتها الزهيدة الثمن، في عهدٍ مضي، ملاذ الفقراء ومحدودي الدخل!)، … وغيرها من الأطعمة الأساسية، إلى مستوى غير مسبوق، ولا مُحتمل أو مُبرَّر، جعل أغلبية أبناء الشعب عاجزين عن الحصول عليها، فاستغنوا عن أكثرها!
وعلى عكس المأمول، فلم يتأخر تُجَّار الأسماك عن المُشاركة المنبوذة في سباق المُزايدة على تفتيش جيوب المواطنين لاقتناص آخر قرش فيها، الأمر الذي جعل أغلبية المصريين تئن من هذا الوضع البائس فاستغنوا عن الأسماك كذلك، بعد أن أوصل أصحابها أسعارها، هي الأخرى، إلى أعلى عليين، حتى وصلنا إلى الحد الذي أصبح معه تناول وجبة من الأسماك “الشعبية” البسيطة فوق طاقة عشرات الملايين من المواطنين، وحلم يتجاوز تحقيقه حدود الخيال!
وعند هذا الحد تفجَّرت هذه المُبادرة الشعبية الإيجابية المُهمة، الداعية لمُقاطعة شراء الأسماك والأطعمة البحرية بأنواعها، تحت شعار قاطع باتر: “خلِّيها تعفِّن”!، في لحظة إبداع جماعي عزيزة الحدوث، فانتشرت بين الناس “انتشار النار في الهشيم”، مٌنتقلة من مُحافظة لأخرى، ومن مدينة لمدينة، ما أجبر “تُجَّار الغبرا” على تخفيض أسعارهم بنسبة كبيرة، بلغت أحياناً ما يقرُب من نصف القيمة … ولا زالت المقاطعة مُستمرة!
وهذا النوع من المُبادرات المحمودة أو “الصحوات” المطلوبة، مثلها مثل الحركة الراهنة لمُقاطعة البضائع والمُنتجات والشركات الصهيونية والمُتعاطفة معها والمُمَوِّلة لها، عقاباً لصُنَّاعها على دعمهم جيش العدو الصهيوني في حرب إبادة الشعب الفلسطيني الصامد، يستدعي من دهاليز الذاكرة الوطنية، أطياف حركات شعبية مُشابهة، انطلقت في مراحل عديدة من مراحل نضالنا الوطني المجيد، منها على سبيل المثال فترة مقاومة الاحتلال البريطاني ومقاطعة شركاته ومُنتجاته وعملائه، والتي لعب فيها عدد من الرموز الوطنية، السياسية والاقتصادية والفكرية دوراً رائداً، ومنهم الاقتصادي الكبير “طلعت حرب”، الذي كتب مُبَكِّراً، عام 1907، في جريدة “الجريدة”، لسان “حزب الأمة”، الذي ترأَّس تحريرها، الأستاذ “أحمد لطفي السيد”، يُطالب بالحد من استيراد كل شيئ، حتى “الهايف” من الخارج، ومقاطعة الاعتماد على البضائع الأجنبية، واستبدالها بأخرى “من صنع إيدينا”، إذا كنا جادين في طلب الاستقلال ومُستحقين له، إذ: “ماذا يكون حالنا ولا كبريتة يُمكننا صنعها، ولا فابريقة نُنسج بها غزلنا، ولا مركب أو سفينة نستحضر عليها ما يلزمنا من البلاد الأجنبية… فما بالنا عن كل ذلك لاهون، ولا نُفكر فيما يجب علينا عمله تمهيداً لاستقلالنا، … إن كُنا له حقيقة طالبين وفيه راغبون؟”!
غير أن بطل المعركة، التي نزل إلى ساحتها بعد ذلك، مُسْتَنَّاً سلاحه الأمضي: الشعر، كان عمنا الكبير “بيرم التونسي”، الذي كتب “ملاحم” وطنية رائعة، يحث فيها أبناء الوطن على أن يتحلّوا بالإيجابية، وأن يُقاطعوا حتى “البُن” حينما غالى تُجّاره في رفع أسعاره بصورة غير مقبولة:
“ياقهوجية كُلُّكُم، عن إذني انا باقولُكُم، قاطعوا اللعين من فضلكم، واطفوا الوابور واكفوا الكنك!”.
فميدان حربه اتسع لكي يقذف بحممه كل مُتلاعب بقوت الشعب ولقمة خبزه، داعياً الناس إلى عدم الاستكانة أمام تَغَوُّلات المُتحكمين في قوت الشعب وأرزاقه:
“واللي مانقدرش نصده، بالضُفر والناب نُعضه، نعيش نموت زي بعضه، ولا التُجّار يحكمونا… تُجَّار سعرانه جَوَاعَه، عملتنا في السوق بضاعه، من ساعه تنزل لساعه، في كل بورصه ومينا!”
ولم يتخلف شعر الشعب وفنه الأثير ، أبداً، عن نصرة أبناء فلسطين الأبية، فحينما احتدمت المعركة وقت الانتفاضات الشعبية الفلسطينية ضد العدو الصهيوني، في بدايات الألفية الثانية، كتب الشاعر الكبير “مجدي يوسف” يستنهض هِمّة الشعب، مُطالباً إياه بتحويل طاقة “الغضب” إلى قوة تأثير فعّالة:
“الغضب ما بقاش كفايه، والبُكا وحُسن النوايا، قوموا نتوحد في غايه، المُقاطعه للجبان. قوم ياولدي.. يابنت بلدي، بعد كل شيئ ما بان، قوم نقاطع في بضايع الصهاينه الأمريكان: م الخليج إلى المُحيط، إحنا تعداد مش بسيط، والعدو ما هوش عبيط، لو قفلناله البيبان، قوم يا ولدي.. يابنت بلدي، بعد كل شيئ ما بان، قوم نقاطع في بضايع الصهاينه الأمريكان.. قوموا قاطعوا بالعزايم، ضحّوا بالسلبي اللي نايم، جربوا حلول مش شتايم، وانجحوا ف الإمتحان، قوم ياولدي.. يابنت بلدي، بعد كل شيئ ما بان، قوم نقاطع في بضايع الصهاينه الأمريكان”.
أما الشاعر “مصطفى درويش” فقد كتب يحث المواطنين على “المُقاطعة”، فهم لن يخسروا بها إلّا “ظُلمة السرداب”:
“قاطعوا.. فأنت لن تموت جوعاً.. إن أغلقوا الثغور، أو أغرقوا الجسور، فالخيل في الخريف تأكل القشور، والطير تنقر الصخور، والماء إن ظَمِأتَ ..الماء في الغدير. قاطعوا ..
قاطعوا موائد الحليب والذباب، موالد الأقطاب، وحاولوا أن تفتحوا الأبواب، أن تخرجوا من عتمةِ السرداب، وتخلعوا النقاب، وحاولوا أن تقرأوا دفاتر العلوم والحساب، فالشمس لن يُضيرها تكاثر السحاب، والأرض لا تُخيفها جحافل الذئاب … فقاطعوا”.
حركة “المقاطعة الشعبية” حركة شعبٍ واعٍ، يعرف حقوقه الثابتة وكيفية الحصول عليها، ويُدرك أهدافه المشروعة وآليات الزود عنها، في عصرٍ انهارت فيه القيم الاجتماعية الرشيدة للتآخي والتعاضد الإنساني، ووقفت القوانين الكابحة للجشع والاستغلال، وآليات إنفاذها، عاجزة عن وضع حد لتضخّم كرة الأسعار الثلجيّة المتدحرجة يوماً بعد يوم، بل وأحياناً ساعة بعد ساعة، ما أوقع المواطن فريسةً لنهب طبقة لا ضمير لها يردعها، ولا ضوابط أو حس وطني يُقَوِّمُ مسيرتها… فكان أن بدأ التحرك الذاتي المشروع للدفاع عن حق الوجود!






















