كتبت شهد حسام
طلعت حربتحل اليوم الذكرى 83 لوفاة أبو الاقتصاد المصري طلعت حرب باشا. الذى أمضى رحلة حياته في دعم الاقتصاد الوطني والتصدي للاستعمار.
ولد محمد طلعت حرب في 25 من شهر نوفمبر في عام 1867، بقصر الشوق بالجمالية في القاهرة. وتخرج من مدرسة الحقوق في عام 1889 وعمل كمترجم بالقسم القضائي. ثم عمل رئيسا لإدارة المحاسبات، بعدها مديرا لمكتب المنازعات. حتى أنه وصل منصب مديرا لقلم القضايا. وفي عام 1905 بدأ حرب رحلة التمصير، إذ انتقل ليعمل مديرا لشركة كوم إمبو بمركزها الرئيسي في القاهرة، واستقال منها 1909، وعمل مديرا للشركة العقارية المصرية والتي عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين.
كُتب عن حياة طلعت حرب
وعرض الكاتب أحمد أمين تجربة طلعت حرب الحياتية، في كتابه فيض الخاطر، ووصفه كالآتي: “وأما طلعت حرب فغض نظره عن السماء ونجومها، والبحار وأمواجها، والأزهار وجمالها، كما لوى وجهه عن السياسة ونارها، وحدَّق في الذهب والفضة والأوراق المالية، وسال لعابه لها حتى كاد يلتهمها، ولكن لم ينظر إليها لنفسه كما فعل غيره، وإلا ما كان عظيمًا ولا زعيمًا، إنما أدرك قيمتها لقومه، فسعى لها سعيه، وأنفق في ذلك عمره، رأى المال عصب الحياة، فأيقن أنه إذا قويت الأعصاب قويت الحياة”.
وأضاف أمين عن سياسة طلعت حرب أنه رأى المال كل شيء، فإذا كان موجود كانت الحرية والعلم والخلق والاستقلال موجودين، رأى أن كل مرض اجتماعي علاجه المال، فعلاج الفقر المال، وعلاج الجريمة المال، وعلاج البطالة المال، وعلاج الجهل المال، وعلاج الاستعباد المال، فكأن المال هو السحر، عندما يمس المال مرض يشفيه. وإن الفلاح بائس لفقره ومريض لفقره وجاهل لفقره ومجرم لفقره، والعاطل عاطل لفقره أو فقر بلده.

كان الكاتب الأمريكى إيريك ديفيز، أستاذ العلوم السياسية بجامعة روتجرز، رسالته للدكتوراه بجامعة شيكاغو كانت حول طلعت حرب، كان كتاب يصنف من أهم الكتب عن حرب وعنوانه “طلعت حرب وتحدى الاستعمار .. دور بنك مصر فى التصنيع 1920- 1941” وتمت ترجمة الرسالة فى بيروت 1986 وفى مصر 2008.
ناقش إيريك فى كتابه كيف برزت فكرة الاستقلال الاقتصادى. ففي وقت الركود الاقتصادى العالمى فى عام 1907، ملاك الأراضى فى مصر ازدادوا قلقا من استمرار انخفاض أسعار القطن العالمية. ورأى طلعت أن دعم دور كبار ملاك الأراضى يمكن أن يكون له دور مهم فى إنهاء الاعتماد على الاسواق البريطانية التى كانت تستورد القطن المصرى، وتصنعه فى معامل الغزل والنسيج فى بريطانيا ويباع على شكل ملابس فى مصر والأسواق العالمية. فسعى طلعت حرب في هذا الوقت لإعادة بناء السوق المصرية لتصبح مصدرا رئيسيا لإنتاج وتصنيع القطن فى معامل الغزل ولبنسيج المصرية ويتم تصديره على شكل ملابس من مصر لبقية دول العالم، ومنها بريطانيا.
وكان رأى طلعت حرب أنه لا يمكن لأى دولة أن تكون قوية إذا كان اقتصادها ضعيفا ومسيطرا عليه من قبل الاستعمار والقوى الخارجية.
وإن تأسيس بنك مصر هو الخطوة الأولى فى تحدى الاستعمار وإنهاء الهيمنة الغربية على الاقتصاد المصرى. ويساهم فى توفير رأس المال لإقامة مشاريع اقتصادية جديدة تكون لتحدى الاحتكار الاقتصادي الخارجي.
تأسيس بنك مصر وشركاته
بدأ الاتجاه لفكرة البنك من قِبل طلعت بعد مشاركته في ثورة 1919، وساهم في إنشاء شركة التعاون المالي بهدف الإقراض المالي للمصريين. ثم بدأ الخطوة الأولى من تأسيس بنك مصر عام 1920، عن طريق إقناع 126 مصريًا بالاكتتاب لإنشاء البنك، ووصل المبلغ المكتتب به 80 ألف جنيه، يمثل 20 ألف سهم، أي أن ثمن السهم أربعة جنيهات فقط، وكان أكبر مساهم هو عبد العظيم المصري بك من الأعيان الذي اشترى ألف سهم.

تم إنشاء بنك مصر لسد الحاجة الملحة في الاقتصاد المصري للاستثمار في الأموال المحلية والمشاريع التي تعزز الاقتصاد المصري، في تلك الفترة، كانت أموال المدخرين المصريين تستثمر في البنوك الأجنبية مثل الأهلي وكريدي فونسيه، وهذا التحول سمح بتوجيه تلك الأموال للاستثمار في اقتصاد مصر بدلاً من الخارج. وسنتعرف على قصة تأسيس هذا المؤسسة الاقتصادية الكبرى.
وفي 5 أبريل من عام 1920، صدر مرسوم سلطاني من سلطان مصر وقتها أحمد فؤاد، بتأسيس شركة مساهمة تحمل اسم “بنك مصر”. وفي 7 مايو من نفس العام، تم افتتاح البنك رسميًا في القاهرة. وقد تم تعيين مجلس إدارة يتكون من عدد من رجال الأعمال والمصرفيين لإدارة أعمال البنك.
وبعد عامين من إنشاء البنك، أنشأ حرب أول مطبعة مصرية برأس مال يقدر بخمسة آلاف جنيه، لدعم الفكر والأدب والمقاومة الوطنية. كما كان هدف البنك الأساسي إنشاء شركات تسهم في تنمية الاقتصاد الوطني من خلال استثمار الإنتاج الزراعي في تنمية قطاع الصناعة.

وساهم طلعت حرب في تأسيس مجموعة كبيرة من الشركات ومنها: “مصر لصناعة الورق، مصر لتجارة وحلج القطن، مصر لصناعة السينما (استوديو مصر)، المصرية العقارية، مصر للغزل والنسيج، مصر لمصايد الأسماك، مصر لغزل الحرير، مصر للكتان، مصر للنقل والشحن، المصنوعات المصرية، مصر للطيران، مصر للسياحة، مصر للتأمين، المصريون للجلود والدباغة، مصر لتكرير البترول، ومصر للصباغة، ومصر للمستحضرات الطبية والتجميل”.
كما استطاع طلعت بإنشاء عدة فروع في عدة محافظات للبنك، وأيضا التوسع بالفروع لخارج مصر. وتم إنشاء أول فرع بدولة أجنبية، في باريس عام 1926 لخدمة المصريين المسافرين إلى فرنسا، وفي عام 1930 تأسس فرع آخر في لبنان ثم في المملكة العربية السعودية.
مؤامرات تنهي أبو الاقتصاد المصري
وكان هناك المؤامرات ضد طلعت حرب وبنك مصر بسبب الاحتلال البريطاني، كما يتضح في كتاب “طلعت حرب: بحث فى العظمة” للصحفى والمفكر المصرى فتحى رضوان، حيث ذكر أنها بدأت الأزمة عندما اضطر بنك مصر لطلب قرض من البنك الأهلى المصرى، ولم تكن لدى البنك السيولة النقدية الكافية لتلبية طلب زبائن البنك الذين سارعوا لسحب ودائعهم من بنك مصر مع بداية الحرب العالمية الثانية فى سبتمبر 1939.
و تصاعدت الأزمة وكحل لها قدم البنك الأهلى المسيطر عليه من قبل البريطانيين عرضا بإقراض بنك مصر بشرط أن يقدم طلعت حرب ورفاقه استقالتهم من مجلس إدارة بنك مصر وشركاته. بالنسبة لطلعت حرب تحولت قضية الاقتراض من البنك الأهلى المصرى إلى نوع جديد من أساليب تحدى الاستعمار. ورأى المصريون أن إزالة طلعت حرب ومجلس إدارة بنك مصر وشركاته مؤامرة بريطانية لتدمير مجموعة مصر التى بدأت تهدد مصالح بريطانيا فى مصر والمنطقة. ومن أهم هذه الأساليب قرار تعيين حافظ العفيفى باشا رئيسا لبنك مصر والذى كانت له علاقة وثيقة مع البريطانيين
ولإنقاذ بنك مصر من الإفلاس، اشترط رئيس الوزراء تقديم حرب استقالته وهو ما سارع طلعت في تنفيذه من أجل الإبقاء على حلم البنك، تلك المؤسسة التي بنيت على أكتافه، وقال جملته الشهيرة “مادام في تركي حياة للبنك فلأذهب أنا وليعيش البنك”.
وبعد استقالته عام 1939، انتقل لقرية العنانية في دمياط ليعيش بعيدا عن الأضواء لمدة عامين حتى يرحل مثل اليوم 1941، ويترك أثر اقتصادي وفني يعيش حتى اليوم. ونعى أبو الاقتصاد العديد من الشعراء مثل أحمد شوقي، عباس العقاد، إحسان عبد القدوس، صالح جودت.


















