فجّرت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قبول طائرة بوينغ 747-8 مقدمة من وزارة الدفاع القطرية جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد ما أعلن مساء الأحد، أن الطائرة الفاخرة ستُستخدم مؤقتاً كطائرة رئاسية بديلة، مشيراً إلى أن الاتفاق “علني وشفاف للغاية”.
ويأتي هذا الإعلان في وقتٍ حساس، حيث يستعد ترامب لبدء أولى جولاته الخارجية الكبرى خلال حملته الانتخابية للولاية الثانية، والتي تشمل زيارة إلى العاصمة القطرية، الدوحة.
وتثير هذه الخطوة، غير المسبوقة، تساؤلات قانونية وأخلاقية بشأن ما إذا كانت تمثل انتهاكاً لبند المكافآت في الدستور الأمريكي، الذي يحظر على المسؤولين الفيدراليين قبول هدايا من حكومات أجنبية دون موافقة الكونغرس.
طائرة بمئات الملايين من الدولارات
ذكرت شبكة CNN أن الطائرة التي تقدر قيمتها بنحو 400 مليون دولار، هي في الأصل مملوكة للعائلة المالكة القطرية، وقد تم عرضها كهدية بين الحكومتين القطرية والأمريكية عبر وزارة الدفاع.
ووفقاً للمصادر، ستُجهّز الطائرة من قِبل البنتاغون لتلائم المعايير الرئاسية، ومن ثم يتم استخدامها بشكل مؤقت من قبل ترامب، على أن تُنقل لاحقاً إلى مكتبته الرئاسية بعد مغادرته منصبه.
لكن محللين وخبراء قانونيين يرون في هذا الترتيب محاولة لتجاوز النص الدستوري، وإلباس صفقة خاصة ثوب الرسمية، فقد قالت كاثلين كلارك، أستاذة أخلاقيات الحكومة في جامعة واشنطن في سانت لويس، إن “الحكومة الفيدرالية هنا ليست سوى وسيلة عبور لهدية شخصية للرئيس ترامب”، معتبرة أن تصويرها كاتفاق حكومي هو التفاف واضح على القانون.
تاريخ متكرر من تجاوز الأعراف
ليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها ترامب اتهامات بخرق الأعراف أو استغلال منصبه لمكاسب شخصية، فخلال ولايته الأولى، أُثيرت قضايا بشأن استفادته من مشاريعه التجارية أثناء توليه المنصب، إلا أن المحكمة العليا رفضت القضايا بعد مغادرته البيت الأبيض.
المتحدث باسم منظمة “مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاق في واشنطن”، جوردان ليبوفيتز، أعرب عن صدمته من حجم هذه الهدية، قائلاً: “لم نشاهد قط شيئًا بمستوى طائرة قيمتها 400 مليون دولار. إنها تفتح الباب لتطبيع تجاوز القواعد الدستورية”.
ردود متباينة داخل معسكر ترامب
بينما تجاهل ترامب الانتقادات الديمقراطية، لم تسلم خطوته من انتقادات داخلية أيضاً. فقد انتقدت الناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومر – المعروفة بولائها الشديد لترامب – قبول الطائرة، ووصفت ذلك بأنه “وصمة عار” في حال تأكدت صحته.
فشل بوينغ والبحث عن بدائل
ترتبط هذه الخطوة جزئياً بتأخر مشروع تحديث طائرة الرئاسة الأمريكية الحالية، فقد كان من المقرر أن تسلم بوينغ طائرتين جديدتين من طراز VC-25B بحلول عام 2022، إلا أن المشروع تعثر وتجاوز الجدول الزمني بخمس سنوات، وبلغت خسائر بوينغ 2.5 مليار دولار نتيجة التكاليف المتصاعدة.
وفي ضوء هذا التأخير، ناقش ترامب في وقت سابق إمكانية شراء طائرة مستعملة وتجديدها، بل تحدث مع إيلون ماسك بشأن خيارات بديلة، حسب ما أفادت مصادر في فبراير الماضي.
هل تُعد الطائرة “رشوة”؟
يُصر مسؤولو ترامب، على أن الطائرة لن تُعد رشوة أو خرقًا لقانون المكافآت، نظراً لعدم اشتراط تقديمها مقابل أي خدمة سياسية، ولأنها ستُنقل لاحقًا إلى مكتبة ترامب الرئاسية. ومع ذلك، يرى كثيرون أن مجرد قبولها من دون موافقة الكونغرس يضع ترامب في مواجهة مباشرة مع القانون.
ويمنع الدستور الأمريكي المسؤولين من قبول هدايا تزيد قيمتها عن 480 دولارًا من دول أجنبية، ما لم يوافق الكونغرس على ذلك. وفي حالات سابقة، تم إرسال الهدايا إلى الأرشيف الوطني أو تمت مصادرتها لصالح الدولة، كما حدث مع جرو أُهدي للرئيس جورج بوش الابن.
سابقة خطيرة
إذا تم قبول الطائرة بالفعل، فإن هذه الخطوة قد تشكل سابقة خطيرة في تاريخ الرئاسة الأمريكية، ليس فقط بسبب قيمتها الباهظة، بل أيضاً لأنها قد تعيد تعريف العلاقة بين النفوذ السياسي والمصالح الخاصة في ظل غياب رقابة صارمة من الكونغرس أو القضاء.





















