لا يجوز أن نتعامل مع الدستور كأنه قرآن.. وهناك نصوص عديدة تحتاج إلى التعديل
ما حدث مع صبري نخنوخ يدل على أننا في “دولة القانون”
قانون الأحوال الشخصية يمس كل بيت مصري.. وعندما نتحدث عن مثل هذه القوانين يجب أن نكون حذرين
مشروع قانون الأحوال الشخصية لم يأخذ حقه بالشكل الكافي سواء في المناقشة أو الحوار المجتمعي حتى الآن
يجب حجب المواقع الإباحية في مصر.. وذلك الأمر تأخرنا فيه كثيرًا
رسالتي إلى الرئيس السيسي: كان الله في عونك
أجرى الحوار- عصام الشريف
أعده للنشر- سيف رجب
في وقت تتزايد فيه النقاشات حول عدد من الملفات السياسية والتشريعية الشائكة، من قانون الأحوال الشخصية وتعديل الدستور، إلى مستقبل الحياة الحزبية وحدود دور السوشيال ميديا في المجتمع، أجرى “الحرية” حوارًا مع النائب ياس قورة، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، للوقوف على رؤيته تجاه عدد من الملفات المطروحة على الساحة.
وخلال الحوار، أكد قورة أن مصر دولة قانون لا يوجد فيها أحد فوق المساءلة، معتبرًا أن بعض نصوص مشروع قانون الأحوال الشخصية تحتاج إلى إعادة نظر وحوار مجتمعي أوسع، كما أبدى تأييده لتعديل بعض مواد الدستور، ورأى أن الظروف الإقليمية الحالية تجعل البلاد بحاجة إلى فترة أطول من الاستقرار السياسي.
وإلى نص الحوار:
ما تقديرك لما يحدث حاليًا في قضية صبري نخنوخ.. وكيف تقرأ حالة الجدل الواسعة المصاحبة لها؟
نحن في دولة قانون، وأي خروج على القانون يجب أن يُواجه بالقانون، ويجب أن نفرح بذلك، لأن دولة القانون تعني أن الجميع سواسية أمامه، وأنه لا يوجد أحد فوق القانون.
والبعض يتوهم أن هناك أشخاصًا فوق القانون، لكن الرئيس دائمًا يتحدث عن دولة القانون وأن كل شيء يُدار بالقانون، وبالتالي طالما أننا نتحدث عن دولة قانون، فلا أحد فوقه، وأي تجاوز أو مخالفة تُحال إلى النيابة والمحاكمة.

قانون الأحوال الشخصية.. ما رائيك في مشروع الحكومة المقدم والجدل الكبير حوله؟
أي قانون يُعرض على المجلس يجب النظر إليه من منظورين؛ الأول كمواطن عادي، والثاني من منظور المسؤولية التشريعية، وقانون الأحوال الشخصية يمس 100 مليون مصري، ولا يوجد بيت في مصر لم يتأثر بقضاياه، ولذلك أعتبره قانون أمن قومي، وفي رأيي القانون لم يحصل على حقه الكامل من الدراسة أو الحوار المجتمعي.
وعلى السبيل المثال، قد توقفت أمام النص الخاص بفترة الستة أشهر والتي تمنح الزوجة فيهم حق فسخ عقد الزواج، وهو نص لم أره في أي دولة، فهل نحن بصدد تقنين “المساكنة” وإضفاء صفة شرعية عليها؟
وأنا ألوم الحكومة ولا يعنيني من طرح الفكرة بقدر ما يعنيني كيف تُقدم في مشروع قانون، ولذلك أرفض هذا النص تمامًا، فالطلاق للضرر موجود بالفعل، فلماذا نضع نصًا جدليًا خارج إطار الدين والأعراف وندخل أنفسنا في موضع الشبهات؟
ما رأيك في تصريح إحدى النائبات حول السعي لإصدار قانون أحوال شخصية موحد للمسيحيين والمسلمين؟
لا يوجد شيء اسمه قانون موحد، فهناك تشابه أو تداخل في بعض المواد مثل الرؤية، لكن عندما نتحدث عن المواريث فالأمر مختلف تمامًا، والشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، ولا يمكن الخروج عنها.
وعندما تخرج أصوات تنادي بالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، أتساءل: من قال هذا الكلام؟ تلك حدود الله فلا يجوز الاقتراب منها، وأي تدخل فيما شرعه الله مرفوض، والمنوط بمراجعة هذه النصوص هو الأزهر الشريف، ولا يجوز تقديم قانون أحوال شخصية للمسلمين دون عرضه على الأزهر، لأنها نصوص مرتبطة بالشريعة.

والأمر نفسه بالنسبة للكنيسة، فلا يمكن تمرير قانون والبابا معترض عليه، بل يجب أن يكون هناك توافق بين الطوائف الثلاث، ورأس الكنيسة هو من يقر النصوص المتفق عليها ويعرضها.
هل أنت راضٍ عن الحوار المجتمعي الذي يتم حول القوانين في البرلمان؟
عندما نتحدث عن قانون يخص 100 مليون مصري، فلا بد من حوار مجتمعي واسع في الإعلام، ودوائر النواب، والشارع، وبين النخب المختلفة.
وبالنسبة لقانون الأحوال الشخصية، فأنا أرفض ما حدث، لأننا لم نشهد حوارًا مجتمعيًا حقيقيًا، فالقانون طُرح بشكل مفاجئ، ولم نرَ استضافة لشخصيات متنوعة لمناقشته.
وهذا قانون مهم للغاية ولا يجوز تعديله في نطاق ضيق، بل يجب أن يكون هدفه تقليل النزاعات والحفاظ على مستقبل الطفل، وهو جوهر القانون.
هل سنرى قانون المحليات قريبًا أم أننا بحاجة أولًا إلى تعديل الدستور؟
الناس تتعامل مع فكرة تعديل الدستور بحساسية مفرطة، فالدستور ليس قرآنًا بل وثيقة قابلة للتعديل والتطوير وفقًا لمتطلبات الزمن، وأنا مع تعديل الدستور لعدة أسباب؛ أولها تحقيق توازن في الصلاحيات بين غرفتي البرلمان، النواب والشيوخ.
فمجلس الشيوخ حاليًا غرفة استشارية بصلاحيات محدودة، رغم أنه يضم نخبة من العقول والخبرات، ومن الطبيعي أن تكون المسؤولية التشريعية أكثر تشاركية.

أما السبب الثاني، فهو أن قانون الإدارة المحلية يتطلب – من وجهة نظري – تعديلًا دستوريًا، ونحن في أمس الحاجة إليه، لأن النواب يتحملون حاليًا عبء المجالس المحلية ويقومون بأدوار خدمية على حساب أدوارهم التشريعية والرقابية، بينما وجود مجالس محلية سيتولى هذه الأعباء.
هناك مخاوف من أن يكون الهدف من تعديل الدستور هو تعديل مدد الرئاسة.. ما رأيك؟
الظروف الإقليمية والحدودية التي تمر بها مصر تجعلنا بحاجة إلى مد فترة الرئيس، وهذا رأيي الشخصي وقناعتي، فما نراه من مخططات وتحديات حولنا يمثل تهديدًا للأمن القومي وأي حالة من عدم الاستقرار أو التغيير في السلطة هي بالضبط ما يريده البعض في الخارج.
ونحن بحاجة إلى عشر سنوات من الاستقرار السياسي والداخلي، لأن التيارات الدينية وجماعة الإخوان لم تنتهِ، بل ظهرت أجيال جديدة منها، ونحن لسنا في حاجة إلى إعادة فتح هذه الملفات في الوقت الحالي.
بعد مرور 15 عامًا على نظام “الكوتا”.. هل ما زلنا بحاجة إليها؟
فلسفة كوتا المرأة بنسبة 25% كانت تهدف إلى خلق كوادر مؤهلة، وبعد ثلاث دورات لمجلس النواب ودورتين لمجلس الشيوخ، أرى أن هذه النسبة أصبحت تمثل مشكلة، لأنها تدفعنا نحو نظام القائمة المطلقة الذي يواجه اعتراضات كثيرة.
وأنا مع استمرار الكوتا ولكن بنسبة أقل، ولتكن 10%، بما يسمح بوجود القائمة النسبية والنظام الفردي معًا، وأنا لست ضد المرأة، بل مع المساواة، لكن العمل العام مرهق وصعب، وحتى في أعرق الديمقراطيات مثل الولايات المتحدة لا تتجاوز نسبة تمثيل المرأة نحو 13%، ولم يقل أحد إن حقوقها مُهدرة.
لماذا تنتظر الأحزاب والمؤسسات إشارة الرئيس لتبدأ في التحرك في ملفات مثل الأحوال الشخصية؟
تدخل الرئيس في بعض الملفات يأتي نتيجة استشعاره خطورة قضايا تمس الرأي العام، فالرئيس متابع جيد جدًا للملفات الداخلية والخارجية، وهناك قوانين حساسة يتردد كثيرون في الاقتراب منها.

وعلى سبيل المثال، لدينا في حزب الوفد مشروع لقانون الأحوال الشخصية منذ عام 2018، لكن التوقيت تحكمه حسابات سياسية، والقيادة السياسية تستخدم أدواتها في الوقت المناسب.
ما تعليقك على المطالبات بتقنين “العاملات بالجنس التجاري” تحت مسمى حماية المرأة؟
هذا الكلام نابع من منطق “الترند” على مواقع التواصل الاجتماعي، فنحن في دولة الأزهر ومن المستحيل أن يحدث ذلك، وهذه أمور انتهت منذ سنوات طويلة، ومثل هذه التصريحات هدفها تحقيق الشهرة فقط، ولن تجد طريقها إلى التطبيق في مجتمعنا.
هل أنت راضٍ عن أداء الأحزاب السياسية المؤيدة والمعارضة؟
لا يمكن أن أكون راضيًا بشكل كامل إلا بوجود أحزاب موالاة قوية وأحزاب معارضة قوية أيضًا، فالمعارضة لا تزال ضعيفة، لأن العمل السياسي يحتاج إلى تمويل، ورجال الأعمال غالبًا ما يتجهون إلى أحزاب الموالاة.
كما أن أداء المعارضة داخل البرلمان يعاني من بعض القصور، فالمعارضة ليست أن تقول “لا” لكل شيء، وإنما أن تكون معارضة وطنية مستنيرة تقدم بدائل وحلولًا وتعديلات، أما الرفض لمجرد الرفض فليس عملًا سياسيًا.
هل تؤيد سن قوانين لضبط إيقاع السوشيال ميديا؟
لا يمكن الانعزال عن السوشيال ميديا أو فرض سيطرة كاملة عليها، لكن الخروج على القانون أو الآداب العامة أو إثارة الفتن يستوجب تدخلًا قانونيًا، وأنا أعتزم التقدم خلال دور الانعقاد المقبل بمقترح لحجب المواقع الإباحية في مصر، فلا أرى مبررًا لعدم حجبها حفاظًا على النشء والقيم، كما فعلت بعض الدول المجاورة مثل الإمارات.
هل أنت راضٍ عن أداء حزب الوفد حاليًا؟
مررنا بفترة كانت من أسوأ الفترات في تاريخ الوفد، حيث غابت الرؤية والممارسة السياسية الحقيقية، ومع عودة الدكتور السيد البدوي بدأت الأمور تتحسن، لكن استعادة ثقة الناس تحتاج إلى وقت.

والأداء البرلماني الحالي لنواب الوفد يتسم بالموضوعية والعقلانية، وأنا متفائل بعودة الوفد إلى مكانته، لأنه “ضمير الأمة”، ولن ينتهي مهما تعرض لكبوات.
رسائل أخيرة توجهها لكل من:
الرئيس عبد الفتاح السيسي؟
كان الله في عونك، فإدارة الملف الخارجي تتم بحرفية وحكمة شديدة، ومصر استعادت دورها المحوري.
الدكتور مصطفى مدبولي؟
“خليك بالراحة على الناس شوية”، فالناس تعبت وتحتاج إلى تخفيف الأعباء المعيشية.
المعارضة؟
لا نحتاج إلى الترندات، بل إلى توحيد الصفوف والرؤى ودعم الدولة من خلال تقديم حلول حقيقية لا الاكتفاء بالهدم والرفض.
جماعة الإخوان؟
لن تعود مصر إلى ما كانت عليه في 2011، تجربتكم فشلت ورفضكم الناس وفكرة إحياء الميت مستحيلة.
حزب الوفد ورئيسه؟
الوفد أمانة في رقبتك، فهو أحد الأعمدة الرئيسية للحياة السياسية في مصر، وبدونه لا تستقيم السياسة.






















