في دلجا.. الموت لم يطرق بابا واحدا بل اجتاح بيتا كاملا، وخطف أربعة أرواح بريئة في ساعات معدودة، قرية يسكنها أكثر من 150 ألف نسمة، لكنها بلا مصل ينقذ حياة طفل.
72 ساعة من الصمت الرسمي والإهمال والتجاهل، و4 أشقاء في القبور، والأسرة الثكلى تشيع فلذات أكبادها واحدا تلو الآخر، و«الصحة» لم تصدر بيانا واحدا عن أسباب وفاة أطفال دلجا، والقلوب في انتظار كلمة تفسر: لماذا مات محمد وأحمد وريم وعمر؟.
وفي غرف الإنعاش الباردة، ترقد «رحمة وفرحة» بين الحياة والموت، لعل في صمتهما إجابة تنتزع الحقيقة من براثن الغموض، وتوقظ ضمير مسؤول غاب طويلا.
ثلاثة أيام مرت ثقيلة كالدهر على قلوب الأهالي، وما زالت الحقيقة غائبة خلف جدران الصمت، وسط قرية يقطن بها عائلات عريقة وأبناء القضاء والشرطة، وكل مؤسسات الدولة.
قرية دلجا التي يسكنها أكثر من 150 ألف نسمة، لا تملك وحدة صحية مجهزة، ولا حتى أمصال السموم التي قد تنقذ روحا قبل أن تُزهق، وتستغرق المسافة من دلجا إلى أقرب مستشفى بمحافظة المنيا وقت يصل إلى ساعة كاملة.. ساعة قد تكون فارقة بين الحياة والموت.
وسط هذه المأساة، تتردد الأنباء بين الأهالي عن «سم تعبان» قد يكون السبب في تلك الوفيات المتلاحقة، لكن الحقيقة لا تزال حبيسة التقارير الطبية والتحاليل التي لم تعلن نتائجها بعد.
وزارة الصحة التي أصدرت بيانا مقتضبًا ينفي وجود التهاب سحائي أو عدوى وبائية، لكن البيان لم يجب على السؤال الأهم: لماذا رحل هؤلاء الصغار في زمن واحد؟
دلجا التي قدمت للوطن أبناءً في الشرطة والقضاء ومؤسسات الدولة، تُعاني من الإهمال المُزمن، مستشفى ديرمواس على بعد 20 كيلومترًا بلا مصل سموم، ومركز غسيل كلوي جاهز أعده الأهالي بأموالهم، لكنه معطل بسبب بيروقراطية المسؤولين، وكأن حياة الناس ليست أولوية.
وفي بيت الأسرة المكلومة، يخيم الصمت والذهول على وجوه الأب والأم المصدومين، لا شيء أصعب من وداع أربعة أطفال، ولا شيء أقسى من الانتظار على أبواب المستشفى، يأملون أن تنجو رحمة أو فرحة لتروي ما حدث في تلك الساعات المشؤومة.
تحقيقات النيابة العامة لا تزال جارية، تم فحص المنزل والبيئة المحيطة، واستمع إلى أقوال الأهل، وسحبت عينات للتحليل، لكن القلوب لا تزال معلقة بإجابة تشفي هذا الألم الفادح.
فالقضية هنا مسؤولية الدولة أولًا وأخيرًا، أن توفر مصلًا أو وحدة طوارئ أو حتى طريقا ممهدًا للنجدة السريعة، ومسؤولية وزارة الصحة ألا يكون العلاج حكرًا على المدن الكبيرة، وأن يصل الحق في الحياة إلى أصغر نجع وقرية.
في دلجا، الحزن لا يخص أسرة واحدة، بل يخص كل بيت، فجيعة جعلت الناس هناك يدركون أنهم جميعًا في خطر، وأن حياة أبنائهم رخيصة في عيون من لا يرون من على بعد.






















