منذ عقود شكّلت المستوطنات الإسرائيلية ليس فقط قاعدةً بشرية لمشروع الصهيونية، بل مختبراً لإنتاج أدوات العنف المنظم ضد الفلسطينيين. ومع تصاعد الحرب على غزة، برزت إلى السطح تكوينات شبه عسكرية تحمل طابعاً عقائدياً متشددًا، من بينها ما يعرف بـ “قوة أوريا”، وهي مجموعات استيطانية ذات نزعة دينية–قومية تنخرط بصورة مباشرة في عمليات تدمير القطاع.
النشأة والهوية العقائدية
تستمد قوة أوريا اسمها من أحد الرموز التوراتية المرتبطة بالنقاء والقوة، في محاولة لصياغة صورة “المحارب المقدس”. وهي مجموعات تدين بالولاء للأيديولوجيا الدينية–الصهيونية التي تُمجّد الاستيطان باعتباره فريضة إلهية. تتكون هذه القوة من مستوطنين شبان تلقوا تدريبات عسكرية على يد وحدات الجيش، لكنهم يحتفظون بهيكلية مستقلة تتيح لهم العمل بمرونة خارج القيود الرسمية. وتضم مستوطنين إسرائيليين من الضفة الغربية المحتلة وتنشط في تدمير منازل الفلسطينيين بقطاع غزة.
الارتباط بالمؤسسة العسكرية
رغم أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي يقدّم “قوة أوريا” ككيان مدني تطوعي، إلا أن الواقع العملي يؤكد أنها تعمل كفرقة غير نظامية تحت إشراف الجيش الإسرائيلي مع وجود تنسيق عميق بينها وبين وحدات الجيش النظامية. إذ تتحرك هذه المجموعات في المناطق الحدودية لغزة كمكمل للآلة العسكرية، وتستفيد من الإمداد اللوجستي والدعم الاستخباراتي. بهذا المعنى تتحول قوة أوريا إلى واجهة غير رسمية للجيش، تسمح له بممارسة مستويات عالية من العنف مع الإبقاء على مسافة خطابية للتهرب من المساءلة.
الوظيفة الاستيطانية في سياق غزة
وظيفة هذه القوة لا تقتصر على القتال التقليدي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة منهجية لتفكيك البنية المكانية والاجتماعية لقطاع غزة. فهي تنخرط في عمليات اقتحام وتمشيط تستهدف بالأساس البنية التحتية المدنية، وتشارك بصورة مباشرة في تدمير المنازل والأراضي الزراعية في انسجام واضح مع الرؤية الصهيونية القديمة–الجديدة التي تسعى لخلق “أرض خالية” من أصحابها الأصليين. ولا يتوقف الأمر عند حدود التدمير المادي، بل يمتد إلى ممارسة ضغوط رمزية ونفسية مقصودة، تقوم على بث الرعب والفزع في نفوس السكان، وتستخدم الفلسطينيين دروعا بشرية، في محاولة لكسر الإرادة المجتمعية للفلسطينيين وتجريدهم من القدرة على الصمود والاستمرار.
البعد السوسيولوجي والسياسي
قوة أوريا ليست مجرد تشكيل عسكري، بل رمز لتحول الاستيطان إلى مشروع حرب مفتوحة. فهي تجسد تقاطع الأيديولوجيا الدينية مع العنف المنظم، حيث يصبح المستوطن نفسه مقاتلاً لا يكتفي بالسكن فوق الأرض الفلسطينية بل يسعى لاقتلاع المجتمع الفلسطيني بأكمله. ومن هنا فإن ظهور هذه القوة يعكس مسعى أعمق لإعادة صياغة العلاقة بين “المركز” (الدولة الإسرائيلية) و”الأطراف” (المستوطنين)؛ بحيث تتوسع صلاحيات الأخيرين لتشمل أدواراً تنفيذية في الحرب.
الدلالات الإقليمية والدولية
إن تصاعد أدوار مجموعات مثل قوة أوريا يضع المجتمع الدولي أمام معضلة: فهي كيانات لا تُصنَّف رسمياً كجزء من الجيش، لكنها تتحرك تحت مظلته. هذا الوضع يُتيح لإسرائيل هامشاً واسعاً من المناورة للتهرب من التزامات القانون الدولي، بينما يعزز من تطبيع العنف الاستيطاني كجزء من البنية الأمنية للدولة. أما عربياً، فيكشف ذلك عن تحول الاستيطان من مشروع إحلالي طويل الأمد إلى مشروع إبادة آنية تنفذها مجموعات متطرفة تحت غطاء الدولة.
تبدأ مواجهة المجتمع الدولي ضد قوة أوريا من خلال إبراز طبيعتها الميليشياوية غير الرسمية، إذ تتحرك هذه الجماعة بتنسيق وثيق مع الجيش الإسرائيلي، لكنها تحافظ على انفصال شكلي يتيح لإسرائيل مساحة واسعة من الإنكار والتهرب من المسؤولية، وهو ما يجب كشفه للرأي العام العالمي باعتباره خدعة سياسية مقصودة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يستلزم أيضاً توثيق الانتهاكات التي ترتكبها بأدلة بصرية ومكتوبة، إذ لا تكفي الخطابات العامة عن “التدمير” أو “الإرهاب”، بل يصبح جمع الشهادات الحية، والصور، والتسجيلات، والتقارير الحقوقية ضرورة ملحة لتثبيت حقيقة تورطها في استهداف المدنيين والممتلكات، وهو الأسلوب الأكثر إقناعاً أمام المحاكم الدولية ووسائل الإعلام.
إلى جانب ذلك، يتطلب الأمر إعادة صياغة خطاب المواجهة معها بلغة حقوقية كونية، بحيث لا يُختزل وجودها في إطار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي فحسب، بل يُقدَّم نموذجاً لميليشيا استيطانية عنصرية تمارس شكلاً من “التطهير السكاني” يهدد القيم الإنسانية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. هذا البعد الكوني يتكامل مع بناء تحالفات عابرة للحدود مع حركات التضامن العالمية، حيث يصبح استهداف أوريا مهمة مشتركة تقوم بها شبكات المجتمع المدني، الجامعات، النقابات، وحملات المقاطعة، بما يعيد إنتاج صورتها على غرار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، لا كقضية إقليمية ضيقة بل كقضية رأي عام عالمي.
وأخيراً، ينبغي أن يُستثمر هذا الزخم في الضغط القانوني والسياسي، عبر تفعيل أدوات مثل المحكمة الجنائية الدولية لإدراج هذه القوة ضمن الكيانات المتهمة بارتكاب جرائم حرب، وكذلك عبر تحريك البرلمانات الغربية لمساءلة الحكومات عن دعمها غير المباشر لمثل هذه الجماعات من خلال تمويل إسرائيل أو تزويدها بالسلاح. بهذا الشكل يتحول تحريض المجتمع الدولي ضد قوة أوريا إلى مسار متكامل يجمع بين كشف الخداع السياسي، والتوثيق الحقوقي، وإعادة صياغة الخطاب، وتوسيع التحالفات، وتفعيل الضغط القانوني على المستويين الإقليمي والدولي.





