في عالمٍ لم يعد يحكمه سوى منطق القوة، لم يعد الضامن ضامنًا، ولا الوسيط وسيطًا، بل تحول إلى شريكٍ في الجريمة، وأداةٍ لتنفيذ إرادة الجلاد.
كيف يمكن للعقل أن يتقبل أن يكون القاتل هو مقر الأمان، وأن يكون المحامي هو نفسه المدافع عن المجرم؟ كيف يمكن لمن موَّل آلة القتل أن يكون الحكم بين الضحية والجلاد؟
حين يسقط القناع
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد حرب، بل مجزرة ممنهجة تُنفَّذ بتمويلٍ مكشوف، وتحريضٍ معلن، وحماية قانونية وسياسية من راعٍ دولي يدّعي أنه ضامنٌ للسلام.
لم يعد الأمر بحاجة إلى وثائق سرية أو تسريبات إعلامية، فكل شيء يُقال أمام الكاميرات، وكل جريمة تُنفَّذ تحت الأضواء، وسط عالمٍ يُعاني من انفصامٍ في المبادئ، حيث تُكتب القوانين لصالح القوة، وتُشرعن المجازر بقرارات مجلس أمنٍ لا يحمل من الأمن إلا اسمه.
الولايات المتحدة، التي نصّبت نفسها حَكَمًا للعالم، لم تكتفِ بتمويل آلة الحرب الصهيونية، بل أصبحت المحامي والمدافع عن جرائم الاحتلال، وعرّاب الإفلات من العقاب.
قرارات مجلس الأمن تُجهضها الفيتوهات المتكررة، والمحاكم الدولية تُحاصرها التهديدات والعقوبات، حتى أصبح من يطالب بمحاسبة القتلة هو المذنب، ومن يقاوم الموت هو الإرهابي!
الضامن الذي صنع الجريمة
ما معنى أن يكون الضامن هو المموِّل؟ ما معنى أن يكون الوسيط هو السلاح؟ وما معنى أن يكون من يدعو للسلام هو ذاته الذي يدفع بآلته العسكرية إلى مزيد من الدماء؟ الولايات المتحدة لم تكن يومًا مجرد داعمٍ للاحتلال، بل كانت شريكًا في كل جريمة تُرتكب، من قنابل الفسفور الأبيض في غزة إلى قنابل النابالم في فيتنام، ومن احتلال العراق إلى دعم الأنظمة المستبدة التي تخدم مشروعها الاستعماري في المنطقة.
لكن المأساة لا تقتصر فقط على هذا الضامن المجرم، بل تمتد إلى أولئك الذين قبلوا بدور الضامن الضعيف، الهش، الذي لا يملك من أدوات الضغط إلا بيانات الإدانة والتعبير عن “القلق العميق”.
الدول العربية التي ارتضت أن تكون طرفًا في هذه المسرحية الهزلية، مثل مصر وقطر، لم تقدم سوى وعودٍ خاوية، بينما تُترك غزة وحيدة تحت القصف. مصر، التي تملك الحدود والمعابر، لم تمارس أي ضغط حقيقي لإجبار الاحتلال على وقف المجازر، وقطر، التي تستضيف المفاوضات وتضخ الأموال، لا تستطيع أن تفرض أي شروطٍ تُلزم المحتل بوقف عدوانه.
في المقابل، تُلغي الولايات المتحدة الاتفاقات متى شاءت، وتشارك مباشرة في القتل، بينما يُطالب الفلسطينيون بقبول الوساطات العاجزة كأنها قدرٌ محتوم.
حين تصبح المقاومة جريمة والمجازر حقًا مشروعًا
في ظل هذه المعادلة المختلة، لم يعد غريبًا أن تُصوَّر المقاومة كجريمة، وأن يُجرَّم المدافع عن نفسه، وأن يُحاصر المحاصَر، بينما القاتل طليقٌ في المؤتمرات الدولية، يتحدث عن “الأمن والسلام” بينما يوقع صفقات السلاح.
لقد أصبح العالم ساحة مفتوحة لنفاقٍ لا حدود له، حيث تُمحى المصطلحات وتُصاغ القوانين لخدمة القوي، حيث يُقتل شعبٌ بأكمله بينما يتفاوض قاتله على “وقف إطلاق النار” بشروطه.
ولكن، مهما بلغ هذا النفاق مداه، فإن الحقيقة تظل عصية على الطمس. ستبقى المجازر موثقة، والدماء لا تسقط بالتقادم، وسيبقى التاريخ شاهدًا على أن من ادعى حماية الحق كان هو أول من دهسه تحت جنازير الدبابات. ستبقى غزة عنوانًا للخيانة الدولية، وستبقى فلسطين جرحًا مفتوحًا في وجه عالمٍ فقد كل معاني العدالة.
لماذا لا يكون الضامن أقوى من المجرم؟
إذا كانت الولايات المتحدة قد نصّبت نفسها ضامنًا للاتفاقات بينما هي الطرف الأكثر تورطًا في القتل، فلماذا لا يُطرح بديلاً لها قوة أخرى تكون ضامنًا حقيقيًا؟ لماذا لا تكون الصين، كوريا الشمالية، جنوب أفريقيا، أو أي دولة غير متورطة في المجازر هي الضامن؟ لماذا لا يُفرض على أي طرف يُخل بالاتفاقات أن يُقدَّم للمحكمة الدولية أو يُعاقَب بطرده من الأمم المتحدة؟
إن استمرار القبول بهذا الدور الهزيل للضامن العربي يُفقد هذه الدول أي احترامٍ أو ثقة، فكيف يمكن لمصر وقطر أن تقبلا بأن تكونا مجرد وسيطين عاجزين عن تنفيذ ضماناتهما؟ كيف يقبلان أن يكونا في موقع المتفرج بينما تُلغى الاتفاقات علنًا وتُداس على التفاهمات التي كانتا جزءًا منها؟ إن كان الضامن عاجزًا عن فرض احترام تعهداته، فما معنى دوره؟ وكيف نبرر استمراره في هذه اللعبة العبثية؟
المعادلة واضحة
إما أن يكون الضامن قادرًا على فرض قراراته، أو أنه ليس سوى ورقة توت تُغطي على جرائم المحتل. والواقع اليوم يقول إن الضامن ليس فقط ضعيفًا، بل متواطئٌ بحكم العجز والرضا بالدور الثانوي، بينما القاتل يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، ومن يبقى ومن يُباد!






















